'مراود' تضيء على التراث الشعبي بعيون الآخر

المجلة الصادرة عن معهد الشارقة للتراث تحتفي بالتراث العربي ورموزه.
د.عبدالعزيز المسلّم: كتابات الرحالة والمستشرقين تشكل مصدرا هاما للباحثين والمؤرخين
د. مني بونعامة: بلجراف وثق لنا جوانب من تاريخ المنطقة لم يتناولها أحد من قبله

صدر في الإمارات العدد رقم 79 من مجلة "مراود" التي يصدرها معهد الشارقة للتراث، والمعنية بالتراث الإماراتي والعربي والإنساني.

وتصدّر العدد ملفا بعنوان "التراث الشعبي بعيون الآخر"، وأفردت المجلة مقاربات عدة، ودراسات متنوعة، استعرضت جوانب قيّمة من عناصر الفنون الشعبية بما يشملها من معارف وفنون.

واشتمل العدد على موضوعات غنيّة وقراءات مهمة تحتفي في مجملها بالتراث العربي ورموزه ومكوناته وعناصره كافة، وهي وقفات مهمة لتسليط الضوء على جوانب خفية، وأخرى مطموسة أو منسية من تراثنا الشعبي العربي.

وفي افتتاحية العدد، أكد الدكتور عبدالعزيز المسلّم، رئيس معهد الشارقة للتراث ورئيس التحرير، على أن "كتابات الرحالة والمستشرقين الذين زاروا المنطقة العربية تشكل مصدراً مهماً للباحثين والمؤرخين، حيث احتوت يومياتهم ومذكراتهم على معلومات غنية توثق تحولات المجتمعات وتاريخ الأماكن.

وأشار إلى أن هذه الكتابات سجلت انطباعات الرحالة عن الحياة الاجتماعية والثقافية للمنطقة، بما في ذلك العادات والتقاليد والطقوس والأزياء، فضلاً عن وصف الجغرافيا والمناخ والموارد الطبيعية. وأكد أن هذه الوثائق تغطي فترة زمنية تمتد من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين، وساهم فيها رحالة غربيون وشرقيون من مختلف التخصصات.

ولفت إلى أن بعض هذه المدونات حملت رؤى مشوهة متأثرة بالنزعة الاستعمارية، مثل "دليل الخليج" للبريطاني ج.ج. لوريمر، الذي وصفه بأنه "تقرير أمني سري" مليء بالأخطاء بسبب عدم فهم خصوصية المجتمع الإماراتي. وأضاف "هناك كتابات أخرى سارت على النهج نفسه، مثل مؤلفات هاري المر وجون كيلي، والتي تعكس رؤية استعمارية لا تلتزم بالموضوعية".

وفي ختام حديثه، شدد المسلم على أن هذه الكتابات رغم تحيز بعضها تظل ذات قيمة تاريخية، مشيرا إلى أن المغامرات والمفاجآت التي عاشها الرحالة أثناء رحلاتهم تضيف نكهة خاصة إلى نصوصهم، مما يجعلها مراجع لا غنى عنها لفهم التحولات التي شهدتها المنطقة على مر القرون.

الاستكشاف الغربي للجزيرة العربية

وفي كلمته على الصفحة الأخيرة من المجلة، سلط الدكتور منّي بونعامة، مدير إدارة المحتوى والنشر بمعهد الشارقة للتراث "إن الرحالة البريطاني وليم جيفورد بلجريف يعد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الاستكشاف الغربي للجزيرة العربية، حيث تباينت الآراء حول دوافعه بين الجاسوسية والرغبة الأدبية في توثيق المجهول".

وأشار بونعامة إلى أن بلجريف ينحدر من عائلة بريطانية مرموقة، حيث كان والده السير فرانسيس بلجريف أحد مؤسسي "الموسوعة البريطانية"، وهو ما أثر في تكوينه المعرفي.

وأضاف أن رحلته إلى الجزيرة العربية بين عامي (1862-1863) تميزت بـ"الغرائبية"، مما أثار شكوكاً حول أهدافه الحقيقية، حيث وصفه بعض الباحثين مثل د. روبن بدول بأنه "جندي وراهب وعميل سري"، بينما رأى آخرون كأسعد عيد الفارس أنه "جاسوس فرنسي متخفٍ". 

وأكد مدير التحرير أن كتاب بلجريف "قصة عام من الرحلات عبر وسط الجزيرة العربية وشرقها" (1865) ترجم إلى لغات متعددة وأعيد طبعه مراراً، لكنه لفت إلى أنه "لم يكن منصفاً في بعض نقولاته"، حيث حملت كتاباته نزعة استعمارية واضحة.

ومع ذلك، قال إنه وثق جوانب نادرة من تاريخ المنطقة، خاصة في الشارقة التي زارها في فبراير/شباط 1863، ووصفها بدقة من حيث العمران والأسواق والحرف التقليدية، مشيرا إلى أن كتاباته كشفت عن "تحولات مفصلية" بعد الحملة البريطانية على الساحل العربي عام 1819.

وفي ختام حديثه، نوه د. بونعامة إلى أن بلجريف رغم غموض دوافعه، قدم وثيقة تاريخية لا غنى عنها لفهم المجتمع الإماراتي في القرن التاسع عشر.

سرديات الآخر

وفي ملف العدد نقرأ: "سرديات الآخر.. بين الوصف الخارجي والانتماء الداخلي" لفهد علي المعمري، ويكتب د. سالم زايد الطنيجي عن "التراث العربي في نصوص الرحالة الغربيين.. دراسة في الصورة والانطباع"، ونقرأ للدكتور أحمد بهي الدين عن "التقاليد الشفاهية كما وثقها الاستشراق"، فيما جاءت مشاركة د. عائشة الغيص بعنوان "التراث الشعبي بوصفه جسرا للحوار والتبادل الثقافي"، وتكتب فاطمة سلطان المزروعي مقال بعنوان "ويلفرد تيسيجر ورحلته إلى أبو ظبي.. سردية الرمال والصداقة"، وتسلط مريم سلطان المزروعي الضوء على "لطيفة والحنين إلى الرمال.. قراءة في الذاكرة الاجتماعية".

ويكتب د.محمد عبدالله المنصوري عن "دور شركات النفط في حفظ الذاكرة في إمارات الساحل المتصالح.. مدينة أبو ظبي نموذجا"، ونقرأ لدكتور فهد  حسين عن "ألف ليلة وليلة والثقافة الغربية"، ويكتب طلال سعد الرميضي عن "الغوص على اللؤلؤ.. بعيون فرنسية الطرافة في كتابات البير لوندر"، ويسلط سلطان المزروعي الضوء على "غياب رمزية التراث في رؤية الآخر.. دليل الخليج نموذجا"، ويناقش دكتور علي عفيفي "رؤية الرحالة الغربيين لثقافة الطعام في العراق وشبه الجزيرة العربية"، وتكتب دكتورة نهلة أمام عن "الاستشراق الكلاسيكي والمعاصر بين التخفي والإعلان .. دراسة التراث العربي منذ القرن التاسع عشر"، وتسلط رانيا العنزي الضوء على "التراث الشعبي المغربي في ضوء الرحلات الأوروبية.. علي باي شارول دوفوكو، وبان بوتوتسكي نموذجا".

وفي موضوعات العدد أيضاً: يكتب دكتور خالد متولي عن "النظرة الأكاديمية في عناصر تراث ثقافتنا العربية"، ويتناول دكتور أسعد عبدالرحمن عوض "التراث الشعبي بعيون الآخر في السودان.. قراءة في مرايا التنوع والدهشة"، ويستعرض دكتور علي الكسادي "الموروث الثقافي في سوقطرى في عيون الرحالة عبر العصور"، ويسلط دكتور ربيع أحمد سيد أحمد الضوء على "المقاهي ووسائل التسلية ذكاء التكيف ودفء الروح لثراء السرد"، ويكتب خالد صالح ملكاوي عن "بوح التراث الإماراتي في عيون الآخر من الاستشراق إلى التفاعل الثقافي"، ونقرأ لدكتور مهدي الشموط "تأملات في فوائد التراث وأهميته".

ونقرأ للدكتور خالد بن محمد مبارك القاسمي عن "أخلاق عرب شبه الجزيرة العربية في كتابات الرحالة الغربيين"، ويسلط مسعود إدريس الضوء على "التراث العربي في عيون شعوب البلقان"، ويختتم ملف العدد ا.د خالد أبوالليل بمقال عن "موروثنا الشعبي في مرآة الاستشراق".

موسيقى الشعوب

وفي باب "موسيقا الشعوب" نقرأ لعلي العبدان "الموسيقي والغناء في الأمثال الشعبية"، وفي باب "فنون شعبيه" يكتب علي العشر عن "أنواع فن الصوت"، وفي باب "دراسة" نقرأ لمحمد عبدالله نور الدين عن "عوشة بنت شملان .. امرأة تعرفها دروب الصحراء"، وفي باب "قراءات أدبية" يكتب خالد عمر بن ققه عن "دانشمتد.. رواية ندية لسيرة ابي حامد الغزالي، وفي باب "رؤية" نقرأ لعائشة مصبح العاجل عن "صدى الذكريات بمراة الروح"، وفي باب "قصة التراث الشعبي" نقرأ ا.د مصطفى جاد عن "قصة العمارة الشعبية"، وفي باب "مقاربات" يسلط د.خليل السعداني الضوء على "دور السكك في نمو الاقتصاد الأميركي".

وفي باب "نقوش الذاكرة" يناقش د.أحمد الشكري "مفهوم التكرور في الأدب الجغرافي العربي خلال العصر الوسيط"، وفي باب "إضاءة" تكتب لولوة المنصوري عن التراث في عين الكتابة الإبداعية، وفي باب "واحة القراءة" تستعرض د. رؤى قداح "رمزية الحيوان في الحكاية الشعبية الموريتانية"، وفي باب "فنون تراثية" تناقش د.وضحى حمدان الغريبي "تجليات الأنثروبولوجا في التعبير التشكيلي وسرديات الإنسان.. مقاربة ثقافية ..فنية"، وفي باب "رؤى" يقدم د.احمد سعد الدين عيطة "ملامح التغيير على الموسيقا الشعبية في مصر والإمارات"، وفي باب "ميزان الكتب" تستعرض سارة إبراهيم أهم إصدارات المكتبة العربية، ويختتم ملف العدد بمقال عن "الرسم بالألوان الصخرية" للكاتبة حنين تشن وي جيا، ومراجعة جمال بن علي أل سرحان.

يُذكر أن "مراود" هي مجلة معنيّة بالتراث الإماراتي والعربي والعالمي، ويرأس تحريرها الدكتور عبدالعزيز المسلّم، رئيس معهد الشارقة للتراث، ومستشار التحرير ماجد بوشليبي، الخبير الثقافي بمعهد الشارقة للتراث، ومدير التحرير الدكتور منَي بونعامة، مدير إدارة المحتوي والنشر بمعهد الشارقة للتراث، ويتكون مجلس التحرير من: على العبدان، وعتيج القبيسي، وعائشة الشامسي، وسارة إبراهيم، وسكرتير التحرير أحمد الشناوي، كما تضم هيئة التحرير منير حمود وبسام الفحل للإخراج الفني والمراجعة اللغوية، وتصدر المجلة شهريا عن معهد الشارقة للتراث.