مفارقة القطب الشمالي: ذوبان الجليد والتكالب الاميركي على كنوز غرينلاند

البيت الأبيض ينظر إلى تضاريس غرينلاند الآخذة في التغير من منظار "حرب المعادن" مع الصين.

في مطلع يناير من عام 2026، انتقل الخطاب السياسي في البيت الأبيض من مجرد إبداء الاهتمام إلى لغة المطالبة الصريحة؛ إذ لم تعد "غرينلاند" في نظر واشنطن مجرد أرض نائية، بل تحولت إلى "أصل سيادي للأمن القومي" لا يقبل التفاوض.

ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم، تجددت مساعيه للاستحواذ على الجزيرة برؤية أكثر إلحاحاً، مدفوعة بواقع قسري: وهو أن أزمة المناخ التي تهدد كوكب الأرض هي ذاتها التي تفتح اليوم "خزائن" من الثروات الهائلة والقوة الاستراتيجية التي لا تُقدر بثمن.
"مفارقة القطب الشمالي": الكارثة بوصفها فرصة
يكمن السبب الجوهري وراء القفزة النوعية في أهمية غرينلاند مقارنة بالعقود الماضية في "وتيرة الانهيار البيئي". فالجزيرة تشهد ارتفاعا في درجات حرارتها بمعدل يفوق المتوسط العالمي بأربعة أضعاف. وتشير بيانات موسم الذوبان لعام 2025 إلى أن غطاء غرينلاند الجليدي يفقد قرابة 30 مليون طن من الجليد كل ساعة.
هذه "المفارقة" خلقت فرصة اقتصادية قاتمة؛ فمع انحسار الطبقات الجليدية التي يتجاوز سمك بعضها ميلين، بدأت تنكشف أراضٍ ظلت محجوبة لآلاف السنين:
* الانكشاف الجغرافي: يعمل الجليد الذائب كستار يتم سحبه، ليكشف عن رواسب ضخمة من العناصر الأرضية النادرة (REEs) مثل "النيوديميوم" و"البراسيوديميوم" و"الديسبروسيوم".
* الجدوى الاقتصادية: المناطق التي كانت توصف بـ "الجليد السرمدي" أصبحت الآن صالحة للحفر والتنقيب. كما أدى تراجع الأنهار الجليدية إلى نشوء "فيوردات" مائية عميقة، مما يسهل وصول معدات التعدين الثقيلة وتصدير المواد الخام بيسر غير مسبوق.
احتكار المعادن النادرة: كابوس الأمن الأميركي
ينظر البيت الأبيض إلى تضاريس غرينلاند الآخذة في التغير من منظار "حرب المعادن" مع الصين. فبكين تسيطر حالياً على نحو 90% من قدرات معالجة المعادن النادرة عالمياً، وهي معادن تمثل شريان الحياة لتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين؛ من مغناطيسات محركات السيارات الكهربائية وصولاً إلى أنظمة التوجيه في مقاتلات "F-35".
ويعد منجم "تانبريز" (Tanbreez) في جنوب غرينلاند، الذي شهد اهتماماً أمريكياً مكثفاً في 2025 و2026، مستودعاً لـ 18% من احتياطيات العالم من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة. وبالنسبة لإدارة ترامب، فإن الاستحواذ على غرينلاند هو السبيل الوحيد لـ "تحييد المخاطر" في سلاسل التوريد الأمريكية. فمن خلال إخضاع هذه الاحتياطيات للسيطرة المباشرة، تأمل واشنطن في كسر الاحتكار الصيني. وفي عقيدة الإدارة الحالية، حول ذوبان الجليد غرينلاند إلى "مصرف استراتيجي" لا يمكن تركه تحت سيادة حليف أوروبي صغير مثل الدنمارك.
الشمال الأقصى: استراتيجية الدفاع في عالم يذوب
بعيداً عن كنوز المعادن، يعيد ذوبان الجليد البحري رسم الخرائط الملاحية للعالم. تاريخياً، كان القطب الشمالي حاجزاً متجمداً، أما اليوم، فقد تحول إلى مسرح للمياه المفتوحة:
* ممرات ملاحية جديدة: أصبح "الممر الشمالي الغربي" و"طريق الحرير القطبي" صالحين للملاحة لفترات أطول سنوياً، مما يختصر آلاف الأميال بين آسيا وأوروبا.
* التهديد الروسي: أعادت روسيا خلال العقد الماضي افتتاح أكثر من 50 قاعدة عسكرية من حقبة الحرب الباردة في القطب الشمالي.
* التغلغل الصيني: أرسلت استثمارات بكين المتزايدة في البنية التحتية القطبية إشارة واضحة على نيتها أن تصبح لاعباً مهيمناً في المنطقة.
ويرى البيت الأبيض أنه إذا لم تفرض الولايات المتحدة وجوداً سيادياً دائماً في غرينلاند، فإنها ستفقد السيطرة على أهم الممرات التجارية في القرن المقبل. ولم تعد قاعدة "بيتوفيك" الفضائية (ثول سابقاً) مجرد محطة إنذار مبكر، بل باتت تُعتبر "مركز القيادة المركزي" لشمال الأطلسي بأسره.
السيادة وأزمة 2026 الدبلوماسية
أحدثت الضغوط الأمريكية شرخاً غير مسبوق داخل حلف "الناتو". ففي خطابها بمناسبة العام الجديد 2026، وصفت رئيسة وزراء الدنمارك "ميتي فريدريكسن" الموقف الأمريكي بأنه "محاولة استعمارية عفا عليها الزمن". كما سنت حكومة غرينلاند المحلية قوانين بيئية صارمة، شملت حظر تعدين اليورانيوم لحماية نظامها البيئي الهش من عمليات الاستخراج الجائرة.
ومع ذلك، أشار البيت الأبيض إلى إمكانية تجاوز الدبلوماسية التقليدية. وقد أحدثت التصريحات التي تلمح إلى أن "الخيارات العسكرية قائمة دائماً" لتلبية احتياجات الأمن القومي صدمة في أوروبا. يبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو سياسة تعتبر فيها "الضرورة الاستراتيجية" فوق "السيادة الإقليمية".
مقامرة رفيعة المستوى
لقد تصاعدت الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند لأن الجزيرة باتت "نقطة الصفر" في صراعين متداخلين: التغير المناخي، والتنافس بين القوى العظمى. وبينما يرى العالم في ذوبان الجليد كارثة بيئية، يراه البيت الأبيض سباقاً مع الزمن لتأمين الموارد والأراضي التي ستحدد موازين القوة في القرن القادم. عبر تعاطيها مع غرينلاند بوصفها سلعة لا كيانا دوليا، تقامر الولايات المتحدة بسمعتها الدولية وباستقرار منطقة القطب الشمالي برمتها. ومع الاستمرار في تلاشي الغطاء الجليدي، فإن حدة الاحتكاك بين مساعي صون البيئة وهواجس الأمن القومي لن تؤول إلا إلى مزيد من التفاقم.