كيف أضحى الجيش الفنزويلي المحرك المركزي لأزمة البلاد المتفاقمة؟

أزمة فنزويلا لم تعد مجرد صراع تقليدي بين حكومة ومعارضة، بل هي أزمة حكم أصبح فيها الجيش فاعلاً سياسياً واقتصادياً حاسماً.

تُعزى أزمة فنزويلا المزمنة غالباً إلى سوء الإدارة الاقتصادية، والاستقطاب السياسي الحاد، وتداعيات العقوبات الدولية. ورغم محورية هذه العوامل، إلا أنها تظل قاصرة عن تقديم تفسير مكتمل للمشهد ما لم يتم فحص دور مؤسسة نافذة بعينها: الجيش الفنزويلي. فعلى مدار العقدين الماضيين، انسلخت القوات المسلحة عن دورها التقليدي كجهاز للدفاع الوطني، لتتحول إلى فاعل سياسي واقتصادي مركزي، مما جعلها لاعباً أساسياً ليس فقط في استدامة المنظومة الحالية، بل وفي عرقلة أي مساعٍ حقيقية للتغيير.

من مؤسسة وطنية إلى ركيزة سياسية

إن تسييس الجيش الفنزويلي لم يبدأ مع الرئيس نيكولاس مادورو، بل تسارع زخمُه في عهد سلفه هوغو تشافيز، الضابط السابق الذي ارتقى إلى سدة الحكم عام 1999. فقد عمد تشافيز إلى إعادة صياغة العلاقات المدنية ـ العسكرية بشكل جذري، مدمجاً القوات المسلحة في مشروعه السياسي، ورافعاً من مكانتها كشريك أيديولوجي فيما عُرف بـ"الثورة البوليفارية".

ومع وصول مادورو إلى السلطة، تعمقت هذه العلاقة بشكل أكبر، ففي ظل افتقاره للشرعية الشعبية التي حظي بها تشافيز، وجد مادورو في الولاء العسكري طوق نجاة للاستمرار في الحكم. وعليه، تم تصعيد كبار الضباط إلى مناصب وزارية، وحكام ولايات، وقيادات عليا في الشركات المملوكة للدولة. وبمرور الوقت، لم يعد الجيش مجرد ظهير للحكومة، بل تحوّل إلى أحد أعمدتها البنيوية الراسخة.

السطوة العسكرية والسيطرة الاقتصادية

تُعد الهيمنة المتزايدة للجيش على مفاصل الاقتصاد أحد أكثر الجوانب خطورة، ورغم ذلك تظل بعيدة عن التغطية الكافية. تشرف القوات المسلحة اليوم على الموانئ، والمطارات، وشبكات توزيع الغذاء، فضلاً عن قطاعات حيوية في النفط والتعدين. وبشكل خاص، أثار الانخراط العسكري في "قوس أورينوكو للتعدين" وهي منطقة غنية بالذهب والمعادن، مخاوف دولية واسعة بشأن الدمار البيئي والفساد المستشري والتجارة غير المشروعة.

هذا التشابك المصلحي مع الاقتصاد أوجد حوافز قوية لدى كبار الضباط للحفاظ على "الوضع القائم"، إذ إن أي تحول سياسي قد لا يهدد نفوذهم فحسب، بل قد يقطع طريق وصولهم إلى الموارد، ويعرضهم للمساءلة القانونية محلياً ودولياً. ونتيجة لذلك، اندمجت المصالح المؤسسية للجيش مع مصالح بقاء النظام بشكل عضوي.

الجيش وأدوات القمع السياسي

خلال موجات الاحتجاجات الشعبية العارمة في أعوام 2014 و2017 وما تلاها، لعبت القوات العسكرية والأمنية دوراً حاسماً في وأد المعارضة. وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان الدولية حالات استخدام مفرط للقوة، واحتجاز تعسفي، وملاحقة مدنيين أمام محاكم عسكرية.

ورغم أن الوحدات المتخصصة مثل الحرس الوطني وأجهزة الاستخبارات، غالباً ما تكون في طليعة عمليات القمع، إلا أن القوات المسلحة تظل الضامن النهائي للنظام السياسي. ويبعث ولاؤهم المستمر برسالة واضحة مفادها أن الحراك الشعبي الواسع وحده لن يفلح، على الأرجح، في فرض تغيير سياسي ملموس.

لماذا لم ينكسر صفُّ الوحدة العسكرية؟

رغم الانهيار الاقتصادي الحاد وتدهور مستويات المعيشة الذي طال حتى الجنود من الرتب الدنيا، لم يشهد الجيش الفنزويلي انقساماً مؤسسياً يُذكر. وتعود هذه المرونة إلى عدة عوامل: تفتيت الهيكل القيادي: تم تقسيم القيادة بشكل متعمد لمنع بروز أي شخصية قادرة على مراكمة قوة كافية لتحدي الرئاسة.

الرقابة الاستخباراتية: تعمل أجهزة الاستخبارات الداخلية بكثافة لرصد وإحباط أي بوادر انشقاق داخل الصفوف.

الامتيازات الانتقائية: تساهم العطايا الممنوحة لكبار الضباط في ضمان ولاء النخبة، حتى في ظل المعاناة التي يكابدها الجنود العاديون.

كما يلعب عامل "الخوف" دوراً محوريا، إذ يخشى العديد من الضباط أن يؤدي تغيير النظام إلى ملاحقتهم قضائياً بتهم الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان، مما يجعل الاستمرار في كنف السلطوية خياراً "أكثر أماناً" من مرحلة انتقالية غير مضمونة العواقب.

هل الجيش هو المسؤول عن الأزمة؟

بالتأكيد، لم يتسبب الجيش الفنزويلي بمفرده في انهيار البلاد، فالأزمة نتاج سنوات من سوء الإدارة، والفساد، والاعتماد المفرط على ريع النفط، والتحلل المؤسسي، وتأثير العقوبات. ومع ذلك، يتحمل الجيش مسؤولية جسيمة في إطالة أمد المعاناة. فبدلاً من العمل كمؤسسة وطنية محايدة أو قوة استقرار، انغمس العسكر في نظام يقيّد التنافس السياسي، ويضعف العمليات الديمقراطية، ويركّز السلطة، ليصبحوا بذلك أصحاب مصلحة فاعلين في نموذج حكم معطّل.

معضلة الطريق نحو المستقبل

إن أي حل واقعي للأزمة الفنزويلية يجب أن يمر حتماً عبر "البوابة العسكرية". لقد أثبتت الضغوط الخارجية وحدها محدودية نتائجها، بل وأدت أحياناً إلى تقوية رواية الحكومة حول "العدوان الأجنبي"، مما عزز تماسك الجيش خلف السلطة.

إن المسار الأكثر قابلية للتطبيق يكمن في عملية تفاوضية تدريجية تعيد تعريف دور الجيش ضمن إطار دولة مدنية، وهو مسار يتطلب ضمانات مدروسة بعناية، تقترن بإصلاحات مؤسسية وآليات للمساءلة. هذا الطريق معقّد وبطيء ومحفوف بالمخاطر، لكن البدائل الأخرى تبدو غير واقعية بشكل متزايد.

لم تعد أزمة فنزويلا مجرد صراع تقليدي بين حكومة ومعارضة، بل هي أزمة حكم أصبح فيها الجيش فاعلاً سياسياً واقتصادياً حاسماً. وطالما بقيت القوات المسلحة مستثمرة بعمق في هيكل السلطة القائم، ستظل آفاق التعافي محدودة. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سيستمر الجيش كحارس لنظام فاشل، أم سيتحول يوماً ما ليكون جزءاً من الحل؟