"على أهبة الاستعداد": كيف يدفع الانهيار الاقتصادي الإيراني نحو حرب عالمية؟

لم تعد الأوجاع الاقتصادية الإيرانية شأنًا داخليًا محضا، فقد ولّد انهيار الريال أزمة إنسانية ما لبثت أن استحالت إلى معضلة عسكرية كبرى.

"إذا أقدمت إيران على إطلاق النار وقتل المتظاهرين السلميين بعنف... فإن الولايات المتحدة الأميركية ستهبّ لنجدتهم. نحن على أهبة الاستعداد، وأصابعنا على الزناد".

بهذه الكلمات التي نُشرت في الثاني من يناير/كانون الثاني 2026، حوّل الرئيس دونالد ترامب الأزمة الاقتصادية الداخلية في إيران إلى نقطة اشتعال للأمن العالمي. يأتي هذا التحذير بعد أسبوع من الفوضى المتصاعدة في أرجاء الجمهورية الإيرانية، حيث تحولت الاحتجاجات التي بدأت بسبب أسعار الخبز إلى معركة وجودية قد تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط إلى الأبد.

عملة في مهب الريح

يُعدّ الانهيار الحرّ للريال الإيراني المحرّك الأساسي لهذه الأزمة. ومع مطلع يناير/كانون الثاني 2026، تواجه إيران حالة من التحلل الممنهج في بنيتها الاقتصادية. ففي الحادي والثلاثين من ديسمبر/كانون الاول 2025، كسر الريال الإيراني حاجزًا نفسيًا كارثيًا، مسجّلًا أدنى مستوى تاريخي له بواقع 1.45 مليون ريال مقابل الدولار الواحد. لم يعد هذا الانهيار مجرد أرقام في السجلات المالية، بل استحال تهديدًا وجوديًا للنظام وقوة لزعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها.

العاصفة الكاملة: العقوبات وقرع طبول الحرب

تتضافر ثلاثة عوامل رئيسية وراء هذه الأزمة الطاحنة: تفعيل آلية "سناب باك" (Snapback): لجأ المجتمع الدولي في سبتمبر/ايلول 2025 إلى تفعيل آلية "الزناد" الأممية، مما أدى إلى إعادة فرض كافة العقوبات النووية التي كانت سائدة قبل عام 2015، وهو ما أحكم العزلة الدولية على طهران.

تداعيات حرب الأيام الاثني عشر: ألحقت المواجهة العسكرية الخاطفة مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025 أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية للطاقة، واستنزفت ما تبقى من احتياطيات النقد الأجنبي.

سوء الإدارة الهيكلية: بلغت الاختلالات الإدارية ذروتها بتبنّي نظام تسعير ثلاثي للوقود، ما قفز بسعر اللتر غير المدعوم إلى 50 ألف ريال. هذه الخطوة لم تفشل فحسب، بل أدت إلى تعطّل سلاسل التوريد ودفعت بمعدلات تضخم الغذاء لتجاوز عتبة الـ70 في المئة.

من التضخم إلى الانتفاضة

تختلف "انتفاضة الشتاء" لعام 2026 عن سابقاتها؛ فبينما كانت احتجاجات 2022 تنشد الحقوق المدنية، أصبحت احتجاجات اليوم معركة من أجل البقاء.

التركيبة الاحتجاجية: للمرة الأولى، ينضم تجار "البازار الكبير" في طهران إلى صفوف الطلاب والعمال. وبحلول الثاني من يناير، امتدت المظاهرات لتشمل 22 محافظة من أصل 31.

سقف المطالب: تجاوزت الهتافات سقف الإصلاح لتطالب صراحة بإنهاء النظام الحالي. ويتهم المتظاهرون السلطة بتبديد ثروات البلاد على النزاعات الإقليمية، في وقت هوى فيه الحد الأدنى للأجور إلى ما يقارب 100 دولار شهريًا.

الرد الحكومي: لجأت السلطات إلى إعلان عطلات رسمية مفاجئة لتقييد التجمعات، إلا أن الاضطرابات لا تزال في تصاعد، مع تقارير تشير إلى سقوط سبعة قتلى على الأقل في مواجهات منذ مطلع العام.

تداعيات إقليمية: نهاية حقبة؟

لم تعد أوجاع إيران الاقتصادية حبيسة حدودها، بل بدأت تداعياتها تتردد في أرجاء المنطقة:

تآكل تمويل الأذرع الإقليمية: اضطر الحرس الثوري الإيراني، تحت وطأة العجز المالي، إلى خفض مخصصات حلفائه في لبنان واليمن والعراق. كما أدى سقوط نظام الأسد في سوريا أواخر 2025 إلى إضعاف الجسر البري الإيراني نحو المتوسط.

أزمة لاجئين وشيكة: تدفع الفاقة الاقتصادية بآلاف الإيرانيين نحو تركيا والعراق، مما يخلق تحديًا إنسانيًا جديدًا في منطقة مثقلة بالأزمات.

أمن الطاقة: أصبحت طهران الجريحة أكثر ميلًا للمغامرة؛ إذ تشير تقارير استخباراتية إلى احتمال تسريع البرنامج النووي للوصول إلى تخصيب بنسبة 90 في المئة كأداة ردع نهائية، ما يرفع مخاطر اندلاع صراع إقليمي شامل.

نحو نظام إقليمي جديد

إن انهيار الريال قد يكون المحفّز لتغيير دائم في موازين القوى. تراقب العواصم الخليجية المشهد بحذر، فبينما كانت ترى في إيران منافسًا إقليميًا، باتت تخشى اليوم تداعيات "الدولة الفاشلة" على تخومها، حيث تحوّل التوجه الخليجي نحو الاحتواء بدلًا من الانهيار الكامل.

بالنسبة للمواطن الإيراني، وصل "مؤشر البؤس" إلى مستويات غير مسبوقة، واستحالت الفجوة بين الأهداف الأيديولوجية للنظام والحاجة الماسة للقمة العيش إلى هوّة لا يمكن ردمها.

لم تعد الأوجاع الاقتصادية الإيرانية شأنًا داخليًا محضا، فقد ولّد انهيار الريال أزمة إنسانية ما لبثت أن استحالت إلى معضلة عسكرية كبرى. وتوحي تحذيرات الرئيس ترامب الأخيرة بأن المجتمع الدولي بات متأهبًا لانعطافة جذرية في المشهد. وسواء قُدّر للنظام أن يجتاز عقبة هذا الشتاء أو أن يهوي صريعًا، فإن موازين النظام الإقليمي في الشرق الأوسط قد تبدلت إلى غير رجعة، حيث يقف العالم الآن يرقب، بمزيج من التوجس: هل تتحول وضعية "على أهبة الاستعداد" إلى أمر مفتوح بـ"إطلاق النار حسب التقدير"؟