من حكم الانتداب إلى وصاية ترامب

اختيار توني بلير عضوا في "مجلس السلام" بقيادة ترامب، يشير إلى نية إحياء نموذج الوصاية الاستعمارية ويلغي الإرادة الفلسطينية.

دوسلدورف – في مأساة تختزل دموية الحرب الإسرائيلية في غزّة، شهدت واشنطن في 29 سبتمبر/أيلول 2025 لقاءً مصيرياً جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أُعلن عن خطة السلام المكوّنة من 21 نقطة، والتي دخلت حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول.

ويشكّل هذا الإعلان محاولة جذرية لإعادة صياغة المشهد السياسي في غزّة تحت غطاء أميركي، في وقت يعتري الخطة غموض في بنودها، إلى جانب الضمانات المفقودة المرتبطة بتنفيذها.

عودة الاستعمار بأقنعة جديدة

تكشف الخطة عن تشكيل "مجلس السلام" الذي يقوده دونالد ترامب ويضم شخصيات دولية أبرزها توني بلير، وهو اختيار يحمل دلالات عميقة؛ فبلير يجسّد مشاريع التدخّل الغربي الدموي في الشرق الأوسط، من العراق إلى فلسطين.

اختيار بلير يشير إلى نية إحياء نموذج الوصاية الاستعمارية ويلغي الإرادة الفلسطينية.

قرار ترامب بتعيين الأخير لإدارة قطاع غزّة يمثّل انتهاكاً صارخاً للشرعية الدولية، فهو قرار أحادي لم يُعرض على مجلس الأمن ولم ينل موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا النموذج يُذكّر بنظام الانتداب إبّان الحقبة الاستعمارية.

والأخطر أن الإدارة التكنوقراطية التي سيرأسها بلير تمثّل تتويجاً للاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى فصل القطاع عن الضفة الغربية، مما يُقوّض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.

إنه نهج يعيد إنتاج العقلية الاستعمارية ذاتها التي اعتبرت الشعوب غير قادرة على إدارة شؤونها.

الوساطة الدولية

رغم أهمية الوساطة القطرية – المصرية – التركية، فإنها تبقى محكومة بمعادلات الهيمنة الأمريكية، التي تتحرّك في فضاء تطبعه الحسابات الأمريكية – الإسرائيلية.

وقد جرى تغيير نقاط خطة ترامب إسرائيلياً بعد يوم واحد بموافقته، دون الرجوع إلى الشركاء العرب والمسلمين، فضلاً عن شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي يوم الأحد 19 أكتوبر/تشرين الأول غارات جوية مكثّفة على مناطق متفرّقة من القطاع، في أكبر خرق للاتفاق، ما شكّل إخفاقاً وتهميشاً للجهود الدبلوماسية للدول المشاركة.

وكشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية حقيقة خطة ترامب، ووصفتها بأنها "ساذجة وخبيثة، وفيها دجل صريح"، مؤكدة أن الضغط الأميركي على نتنياهو «هراء» يهدف إلى إيهام الدول العربية بتوازن المقترح الأميركي.

ويكشف تحليلٌ أعمق عن وجود هيئة إسرائيلية سرّية تُدعى "مكتب إدارة ما بعد الحرب"، تعمل على إعداد بنود الخطة، مما يؤكد أن ما يُسوَّق له كـ"مبادرة سلام أمريكية" هو في الواقع مخطط إسرائيلي يُقدَّم بغلاف أمريكي.

الردود والتفاعلات

في قراءة للمشهد الدبلوماسي المصاحب للإعلان، يُلاحظ أن ترحيب بعض الدول العربية والإسلامية التي حضرت خطة ترامب يعكس تحولاً في الاستراتيجية الدبلوماسية العربية والإسلامية.

لكن هذا الترحيب لا يخلو من مفارقات، خصوصاً عندما يقترن بتصريح نتنياهو الذي يحاول تصوير الأمر كأن "العالم العربي والإسلامي يضغط على حماس لقبول الشروط الإسرائيلية".

هذه القراءة التبسيطية تخفي تعقيدات الموقف الإقليمي وتنوّع التوجهات بين الدول العربية، ما يثير مخاوف جدّية من أن تكون هذه الخطة فخاً لإنهاء القضية الفلسطينية، إذ تفتقر إلى أي ضمانات حقيقية تمنع إسرائيل من استئناف حرب الإبادة الجماعية بعد أن استعادت أسراها ومعظم الجثامين.

كما أن دخول القوة المسماة بـ"قوة الاستقرار الدولية" إلى غزّة، والتي تقود تشكيلها الولايات المتحدة، يجعلها أداة غير رسمية بيد الحكومة الإسرائيلية.

وتضمّ القوة نحو 200 عنصر أمريكي، بمشاركة ضباط من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وبدعم من دول عربية مثل مصر وقطر والإمارات وتركيا، كما تجري مناقشات لانضمام باكستان وإندونيسيا وأستراليا وكندا وماليزيا.

معالم البديل المقبول

في تحليل البديل الحقيقي، يتّضح أن أي حلّ دائم يجب أن ينطلق من معادلة مختلفة تماماً، تكون فيها السيادة الفلسطينية هي الأساس لا الهدف.

فالمشكلة الجوهرية في كل الخطط السابقة أنها تتعامل مع الحقوق الفلسطينية كتنازلات يمكن منحها أو منعها، لا كحقوق أصيلة غير قابلة للتصرّف.

ولا يمكن اختزال الإبادة الجماعية في القطاع في مجرد معاناة إنسانية تتطلّب إغاثة عاجلة، إذ يشكّل ذلك تغييباً متعمّداً للسبب الجذري للعدوان الإسرائيلي.

كما أن أي تسوية دائمة يجب أن تقوم على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مع ضمانات دولية حقيقية لتنفيذها.

سلام على وقع القذائف

في الختام، تبدو الخطة الجديدة محاولة لفرض واقع جديد عبر دبلوماسية القوى، متجاهلة الدرس الأساسي من تاريخ الاحتلال: أن السلام الحقيقي لا يُفرض من الخارج، ولا يمكن أن يُبنى على أنقاض العدالة.

فالسلام الحقيقي ينبع من إرادة الشعوب واحترام حقوقها، لا من الأسلحة الفتاكة التي تُدار من قاعات المؤتمرات الفاخرة.

والمفارقة المأساوية التي تجسّد جوهر الأزمة تكمن في أن مؤتمر السلام الذي انعقد في واشنطن، وبعده في شرم الشيخ، كان في الوقت ذاته الذي تواصل فيه الطائرات الحربية الإسرائيلية قصفها لغزّة.

ويكفي للتعبير عن فداحة الكارثة أن إسرائيل، وإن فشلت في تحقيق التطهير العرقي الكامل لغزّة، فإنها دمّرتها تدميراً شاملاً، وكان ينبغي أن تُجبر على دفع تعويضات عن الدمار اللاإنساني الذي تسببت فيه، بدلاً من أن تتحمّل الدول النفطية العربية تلك الأعباء كما اقترح ترامب.

إن الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق والبقاء، وبرغم كل المعاناة أثبت عبر التاريخ أنه قادر على الذود عن نفسه رغم إعراض العالم عنه، وأن إرادة الحياة لديه ستبقى أقوى من كل محاولات الإخضاع والإقصاء.