من دجلة الى ربوع كُردستان : صراع الرموز في فضاء السياسة العراقية

رغم أن علم كُردستان هو علمٌ رسمي لإقليمٍ كُردي فدرالي معترفٍ به دستورياً ضمن جمهورية العراق الاتحادية، إلا أن التعامل معه في بعض المواقف يعكس وجود حساسياتٍ متجذّرة أكثر مما يعكس وعياً دستورياً أو فهماً سياسياً ناضجاً.

في بلدٍ اسمه العراق، تتعدد فيه الألوان وتتشابك الرايات، لكنها جميعاً تنتمي إلى وطنٍ واحد، وسماءٍ وذاكرةٍ واحدة، وتاريخٍ واحد، لكن إلى جراحاتٍ متعددة!
ومع ذلك، ما زال العَلمان العراقي والكردستاني يثيران جدلاً يتجاوز مسألة الرموز إلى عمق العلاقة بين بغداد وأربيل، بين السلطة الاتحادية وإقليم كُردستان، بين الوطن وهوياته المتعددة!!

وفي خضمّ المشهد العراقي المتنوع بتاريخه ومكوناته وعاداته وثقافاته وأطيافه، يطفو بين الحين والآخر جدلٌ لا يليق اليوم بعراقٍ يسعى للتماسك والتعافي من جراحات الماضي والحاضر. إن الجدل حول رفع العلم العراقي وعلم إقليم كُردستان عاد مجدداً إلى الواجهة، بعد أحداثٍ شهدتها بعض المدن العراقية مؤخراً، حين مُنع بعض مواطني الإقليم من رفع علم إقليم كُردستان في بغداد والبصرة ومدنٍ عراقية أخرى، خاصة خلال مباريات كرة القدم بين أندية الإقليم وأخرى من محافظات عراقية.

ولم يكن المشهد سوى انعكاسٍ لحساسيةٍ متبادلة بدأت تتسلل إلى النفوس، رغم أن الدستور العراقي ذاته يعترف بإقليم كُردستان ككيانٍ فدرالي ضمن منظومة الدولة العراقية بعد عام 2003، ولهذا الإقليم علمه ونشيده الوطني وبرلمانه ورئاسة الإقليم وحكومته، شأنه شأن أي إقليمٍ فدرالي في دولٍ متقدمة.

وفي مشهدٍ يجسّد أسمى معاني الاحترام المتبادل والاعتراف بالمكانة السياسية لإقليم كُردستان العراق، باتت زيارات الرؤساء والقادة إلى هذا الإقليم الفدرالي تحمل دلالاتٍ تتجاوز البروتوكولات الرسمية. فعندما يُرفع علم الإقليم إلى جانب أعلام الدول، وحين ينحني القادة احترامًا له، فإنهم لا يؤدّون مجرّد طقسٍ دبلوماسي، بل يرسّخون حقيقةً راسخة مفادها أن كُردستان أصبحت عنوانًا لحضورٍ فعّال على الساحة السياسية والإقليمية والدولية.

إن مشهد احترام علم كُردستان يعكس إدراكًا متناميًا لدور الإقليم بوصفه شريكًا أساسيًا في ترسيخ الاستقرار وبناء الجسور بين الشعوب، لا سيّما في منطقةٍ عانت طويلاً وما زالت تعاني من الانقسام والتوتر. فرفع العلم الكُردستاني إلى جانب أعلام الدول الزائرة، والانحناء أمامه في المراسم الرسمية، يعبّران عن اعترافٍ صريحٍ بالهوية الكُردستانية وعمق تجربتها الديمقراطية.

ورغم أن علم كُردستان هو علمٌ رسمي لإقليمٍ كُردي فدرالي معترفٍ به دستورياً ضمن جمهورية العراق الاتحادية، إلا أن التعامل معه في بعض المواقف يعكس وجود حساسياتٍ متجذّرة أكثر مما يعكس وعياً دستورياً أو فهماً سياسياً ناضجاً. فالعلم ليس راية انفصال، بل هو رمزٌ لهوية شعبٍ ونسيجٍ وطني ضمن هويةٍ وطنية جامعة.

إن العلم الكُردستاني، برمزيته التاريخية المتجذرة في الأعماق، لا يمثل رفضاً للعراق، بل تعبيراً عن هويةٍ وطنية كُردستانية داخل هويةٍ وطنية عراقية.
ورفعه لا ينتقص من مكانة العلم العراقي، تماماً كما أن وجود علم العراق في إقليم كُردستان لا يقلل من خصوصية الإقليم.
بل على العكس، إن رفع العلمين معاً هو الصورة الأجمل للعراق الفدرالي الذي طالما حلمنا به جميعاً: عراق التعدد والوحدة، لا عراق الانقسام والرياء والكيل بمكيالين!

ووجود هذا التوازن في التعامل مع رمزي الدولة والإقليم يعكس إيماناً راسخاً بوحدة العراق الاتحادي، ووعياً بأن احترام الرموز المشتركة هو احترامٌ للهوية الوطنية بمفهومها الأوسع.

ويجب القول إن السلوك الراقي من جانب القادة والزعماء الزائرين لإقليم كُردستان يرسل رسالةً واضحة مفادها أن الاحترام المتبادل بين الشعوب لا يُقاس بالمساحة الجغرافية أو القوة العسكرية، بل بمدى الالتزام بالمبادئ الإنسانية والسياسية التي تصون الكرامة وتكرّس الشراكة الحقيقية. فإقليم كُردستان، بما يمثله من نموذجٍ للتعايش والتقدّم، بات رمزًا يُحترم وعلمًا يُنحنى أمامه بإجلال، لا لأن ذلك واجبٌ بروتوكولي، بل لأنه استحقاقٌ نابع من التاريخ والنضال والهوية.

لكن أحياناً ما يُثير الأسف في الأوساط الكُردية، هو أن هذا الاحترام المتبادل من قبل حكومة إقليم كُردستان وشعب كُردستان تجاه العلم العراقي لا يُقابل بالمثل في بعض مناطق العراق الاتحادي. ففي الوقت الذي يُرفع فيه علمُ دولٍ أخرى، خاصةً العلم الإيراني، بكل أريحية في شوارع ومدن العراق، نجد أن رفع علم كُردستان، وهو علمٌ لإقليمٍ عراقي، يُعتبر وكأنه تحدٍّ واستفزاز، ويُواجَه أحياناً بالغضب أو المنع أو حتى الإهانة!
أما الصورة العامة داخل الإقليم فهي تختلف تماماً، فالعلم العراقي يرفرف شامخاً جنباً إلى جنب مع علم كُردستان فوق جميع المؤسسات الرسمية، من رئاسة الإقليم إلى مجلس الوزراء، وفوق كل الوزارات والبرلمان، بل وخلف مكاتب كل القادة والمسؤولين الكُرد أنفسهم.

وهنا لا يمكن إغفال الحساسية الموجودة لدى بعض المسؤولين العراقيين تجاه العلم الكُردستاني، وتعود جذور هذه النزعة إلى فتراتٍ سابقة، كانت آخرها أحداث عام 2017 في عهد رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي، حين شهدت مدينة كركوك أحداثاً مأساوية وتوتراً كبيراً خلال ما سُمّي ـ تحت ذريعة القانون ـ بعملية “فرض القانون”، والتي رافقتها مواقف مؤلمة وتجاوزات علنية من قبل القوات العراقية، وخاصة فصائل الحشد الشعبي، لإزالة علم كُردستان من فوق المباني الحكومية وغير الحكومية، وتجاه الرموز الكُردية، رغم أن قوات البيشمركة كانت قد قدّمت التضحيات الجسام من الشهداء والجرحى والمفقودين دفاعاً عن مدينة كركوك والمدن العراقية الأخرى ضد مسلحي تنظيم داعش، ومنعت سقوط المدينة بيد التنظيم، في الوقت الذي سقطت فيه مدنٌ كالموصل والرمادي وتكريت بيد التنظيم بسهولةٍ نسبية بعد انسحاب القوات العراقية منها وعدم الدفاع عنها.

إن ما حدث في كركوك وبعض المناطق الكُردستانية التي تقع خارج سلطة الإقليم من أحداثٍ مأساوية يمكن اعتباره أكثر من مجرد خلافٍ سياسي، بل كان تجاوزاً للرمز وضربةً للثقة التي ما زال العراق يدفع ثمنها حتى اليوم. علماً أن الدستور العراقي الحالي ينص حرفياً على أنه لا يجوز قطعياً زجّ قطعات الجيش العراقي بأي شكلٍ من الأشكال في أتون النزاعات الداخلية، كما حدث في كركوك!

وفي المقابل، ظهرت كردّات فعلٍ محدودة، بعض الحالات والتجاوزات الفردية غير المقبولة من قبل حكومة الإقليم والمواطنين داخل إقليم كُردستان، حيث أشيع في وسائل الإعلام أن مواطنين عرباً في الإقليم، ولأسبابٍ مختلفة، قد مُنعوا من رفع العلم العراقي (كما انتشر في بعض مواقع التواصل الاجتماعي) بقصد زرع الفتنة والبلبلة والحساسية المفرطة بين أبناء اللحمة الواحدة ذات المصير المشترك.
غير أن من يعرف محافظات أربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة الشهيدة يدرك تماماً أن هذه الحالات لا تمثل إلا ظلاً عابراً في لوحةٍ رائعة من مظاهر العيش المشترك والتسامح والوئام الموجود داخل إقليم كُردستان، فالعلم العراقي يرفرف هناك على أسطح المؤسسات الرسمية والأماكن العامة.

وتلك الخطوة ليست مجاملةً سياسية لبغداد، بل قناعةٌ راسخة بأن العراق بيتٌ واحد، وسقف هذا البيت يجب أن يكون واسعاً ليحمي الجميع، لا أن يكون غطاءً للبعض فقط. فقوة الأوطان في سعة سقفها، عندما يشتد بنيانها وترتفع أمجادها.

ما يحدث اليوم في العراق مشهدٌ مؤلم، لأنه يُظهر خللاً في الفهم الوطني أكثر مما يُظهر خلافاً سياسياً.
وتلك المفارقة وحدها كافية لطرح سؤالٍ وطني عميق:
هل مشكلتنا حقاً مع الأعلام أم مع ضعف الثقة بين مكوناتنا؟

وأخيراً نقول: إن الكيان الفدرالي ليس مجرد تقسيمٍ إداري للدولة، بل هو دعامةٌ أساسية لتحقيق التوازن، وصون الحقوق، وتعزيز الوحدة الوطنية. والفدرالية سندُ الوحدة في لحظات التحدي. ولذا، فإن احترام حقوق إقليم كُردستان وتقدير علمه والالتزام بأطره، ليس واجبًا قانونيًا فحسب، بل هو تجسيدٌ للوعي الوطني، ودرعٌ يحمي كرامة الشعب ويصون مستقبله.
وفي المقابل، فإن تجاهل أو عدم احترام علم إقليم كُردستان يمثل إهانةً للتعايش السياسي ومساسًا بالثقة بين بغداد وأربيل. ومن هنا يصبح احترام علم الإقليم وصيغة الفدرالية في العراق الاتحادي واجبًا دبلوماسيًا وأخلاقيًا يعكس جدّية التفاهم والشراكة الحقيقية بين جميع الأطراف العراقية.