مهرجان مراكش الدولي للفيلم يفتتح الدورة 22 بتكريم حسين فهمي
مراكش - انطلقت الجمعة فعاليات الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش التي تمتد حتى 6 ديسمبر/كانون الأول، بتكريم أسطورة السينما العربية، الممثل المصري حسين فهمي، بقاعة الوزراء داخل قصر المؤتمرات بمدينة مراكش الحمراء، تقديراً لمسيرته الفنية الحافلة.
ويُعد فهمي رمزاً أصيلاً للسينما العربية بفضل عطائه الممتد لأكثر من خمسين عاماً، جمع خلالها بين التمثيل والإخراج والإنتاج بمهارة فائقة.
وأعرب فهمي عن سعادته الكبيرة بالعودة إلى المدينة الحمراء، مشيراً إلى مكانتها الخاصة في قلبه، حيث صوّر فيها أحد أفلامه الأولى، "دمي ودموعي وابتسامتي".
ويُرسّخ هذا التكريم في يوم الافتتاح مكانة المهرجان كمنصة تجمع الفن السابع العربي والعالمي، وتؤكد على الروابط الثقافية العميقة بين المغرب ومصر.
واحتلّ حسين فهمي مكانة الفتى الوسيم الأبرز في السينما المصرية خلال السبعينيات، بفضل مظهره الأنيق وشعره الذهبي. شارك في بطولات رومانسية واجتماعية حققت نجاحاً جماهيرياً كبيراً، مثل "خلي بالك من زوزو" و"أميرة حبي أنا". وكسر هذا القالب مبكراً جداً باحثاً عن أدوار أكثر قوة تبرز قدراته الدرامية الحقيقية. ونال جوائز أحسن ممثل عن أدوار مركبة، أبرزها دوره في فيلم "الأخوة الأعداء" الذي أظهر فيه براعة استثنائية، وجسّد التناقض بين المظهر الهادئ والقدرة على الانغماس في الشخصيات المعقدة والمليئة بالصراع الداخلي، مؤكداً أنه ممثل ذو إمكانيات غير محدودة، وأن وسامته كانت مجرد بوابة لموهبة حقيقية.
وتقلّد حسين فهمي مسؤوليات إدارية رفيعة في المجال الثقافي، ما أضاف بُعداً آخر لمسيرته الفنية. كما تولّى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي من عام 1998 وحتى عام 2000، وهي فترة شهدت تطوراً في شكل المهرجان. وأشرف على فعالياته بتنظيم وحسٍّ فني عالٍ، ساعياً لتعزيز مكانته كأحد أبرز المهرجانات في المنطقة، ولعب دوراً في توجيه الاهتمام نحو السينما العربية الشابة، داعماً المواهب الجديدة. ويشير هذا الجانب إلى كونه فناناً مثقفاً وله دور قيادي في الإدارة الثقافية والترويج الفني، ويُثبت أنه يخدم الفن من جميع الزوايا، كمنظّم وقيادي أيضاً.
وأثرى حسين فهمي الدراما التلفزيونية بعشرات الأعمال، محققاً نجاحاً واسعاً على الشاشة الصغيرة. كما برع في تقديم أدوار درامية ذات طابع اجتماعي وتاريخي، مثل دوره في مسلسل "المال والبنون" بشخصية "جلال عنايت". وتألق في شخصية "شهريار" ضمن إحدى نسخ مسلسل "ألف ليلة وليلة"، ليُظهر مرونته في تجسيد الأدوار الأسطورية. وظلّ قادراً على المنافسة والحضور بقوة في المواسم الرمضانية، مواكباً التطورات الدرامية في السنوات الأخيرة. ويُحسب له التوازن بين النوعين الفنيين، إذ لم يطغَ عمله السينمائي على عطائه التلفزيوني أو العكس، ويُعدّ هذا التنوع دليلاً على احترافية الفنان وقدرته على استقطاب جماهير مختلفة.
وتجسّد النضج الفني لدى فهمي في اختياراته السينمائية التي مالت إلى العمق والجرأة مع تقدمه في العمر، إذ بلغ ذروة هذا النضج في فيلم "اللعب مع الكبار" عام 1991، حينما لعب دور المقدم معتصم الألفي بقوة، مبرزاً قدرة استثنائية على تقديم شخصية محقّق يدمج بين الجدية والسخرية الخفية في عمل إنساني وسياسي هام. وارتفع مستوى أدائه بشكل ملحوظ في الثمانينيات بأفلام مثل "العار" و"انتبهوا أيها السادة"، التي كشفت عن موهبة نقدية واجتماعية. وصار حضوره على الشاشة يحمل ثقلاً مختلفاً، يجمع بين خبرة السنوات وعمق التجربة الحياتية. ويؤكد استمراره في تقديم أفلام حتى وقت قريب، مثل "الإسكندراني" و"فارس"، حيويته الفنية المتجددة.
وخاض فهمي تجربة المسرح بقوة، مضيفاً إلى رصيده الفني أدواراً ناجحة على خشبة "أبو الفنون". وشارك في مسرحيات هامة مثل "إمبراطور عماد الدين"، و"سحلب"، و"أهلا يا بكوات"، مقدماً أداءً مباشراً ومؤثراً. واستغل مهاراته في التعبير الجسدي والصوتي، التي تتطلبها الطبيعة الخاصة للعروض المسرحية. ويُفسَّر عشقه للمسرح برغبته في التفاعل المباشر مع الجمهور، وهو اختبار حقيقي لأي فنان. ويُبرز هذا التنوع في الوسائط الفنية، من السينما إلى التلفزيون إلى المسرح، شمولية موهبته. ويعدّ هذا التعدد دليلاً على أنه فنان شامل لا يكتفي بمنطقة راحة فنية واحدة ويستحق التكريم.
ويُنتظر أن يشهد حفل التكريم حضوراً فنياً وإعلامياً واسعاً يليق بتاريخ النجم الكبير. وتعتزم الدورة الثانية والعشرون للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش تكريم ثلاثة نجوم بارزين آخرين في عالم السينما خلال أيامها القادمة، إذ ستحتفي إدارة المهرجان بالممثلة والمخرجة الأميركية جودي فوستر، والمخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو، إلى جانب النجمة المغربية المتميزة راوية (فاطمة هراندي).
وتمثل هذه المجموعة المختارة من المكرّمين التنوع الذي يتميز به المهرجان، إذ يمزج بين أيقونات هوليوود والمكسيك والإبداع المغربي الأصيل. وتبرز هذه التكريمات التزام المهرجان بتقدير الإنجازات العالمية والمحلية في الفن السابع، وإبراز دور المغرب كوجهة سينمائية عالمية، وتحمل رسالة المهرجان في مدّ الجسور بين الثقافات من خلال لغة السينما المشتركة.