'إيش' يفضح الاثار المدمرة للتنميط العرقي على الأطفال

فيلم المخرج عمران بيريتا يقدم بأسلوب سينمائي تأملي بالأسود والأبيض رحلة فتى بريطاني مسلم يواجه آلام الفقد والتمييز العرقي في مجتمع يمارس الإقصاء الناعم.

تدور أحداث فيلم  "إيش" للمخرج عمران بيريتا حول فتى بريطاني من أصل بنغلاديشي يُدعى "إسماعيل إيش"، يبلغ من العمر اثني عشر عامًا، يعيش صيفًا قاسيًا في مدينة لوتون الإنجليزية، حين يتقاطع الفقد مع الصداقة والبحث المؤلم عن الذات، وفي ظل حزنه العميق على وفاة والدته، يواجه “إيش” ضغوطًا اجتماعية ونفسية متزايدة، ويعيد النظر في علاقته المتوترة بصديقه المقرّب، كما يصطدم بواقع معقّد يعيشه كفتى ذي بشرة سمراء داخل مجتمع ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

العمل من سيناريو عمران بيريتا وإندا والش، وبطولة كل من فرحان حسنات، يحيى كيتانا، أفين شاه، سودها بوتشار، جوي كروكس، وأرمان محمد.

لا يطرح فيلم "إيش"  كعمل روائي تقليدي بقدر ما يفرض حضوره كبيان سينمائي هادئ، لكنه مثقل بالأسئلة، فمنذ عرضه ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثانية والعشرين من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، بدا واضحاً أن الفيلم لا يسعى إلى إبهار بصري أو حبكة درامية صاخبة، لأنه يفكك تجربة طفولة معاصرة محاصَرة بالخوف، وبنظرة المجتمع، وبسلطة الأمن، داخل فضاء أوروبي يدّعي احتضان التعدد، لكنه يمارس الإقصاء بشكل ناعم وخفي.

وتنطلق الأحداث من حكاية الفتى "إيش" (إسماعيل)، طفل بريطاني من أصول مهاجرة، يعيش في ضاحية فقيرة قرب لندن، محاطاً بفقدان الأم، وبأب غائب رمزياً، وبعلاقات اجتماعية هشّة، بينما المخرج  يتعامل مع هذه العناصر بوصفها مادة ميلودرامية من جهة، وكطبقات نفسية تتراكم داخل شخصية في طور التشكل من جهة أخرى، وهنا تبرز الطفولة كمرحلة اختبار مبكر للقسوة، إذ يُطلب من الطفل أن يبرر وجوده، وأن يثبت ذاته، وأن يختار “رجولته” قبل أوانها.

ويعتبر اختيار التصوير بالأسود والأبيض  كموقف واضح من العالم الذي تم تصوَّيره، فغياب اللون يحوّل الشخصيات إلى ظلال اجتماعية، ويُفرغ المكان من أي دفء محتمل، ويُحيل الضاحية البريطانية إلى فضاء خانق، أقرب إلى سجن مفتوح، بينما ينجح  تكوين اللقطات في خلق تماهٍ بين الشكل والمضمون، حينما يصبح الأسلوب البصري امتداداً لحالة العزلة والاختناق التي يعيشها أبطاله.

وتشكل اللحظة المفصلية في الفيلم، والمتمثلة في مشهد حادثة التفتيش الأمني، جوهر الاشتغال السياسي للعمل، لأن  المخرج يصوّر الحادثة كإجراء روتيني، عادي يكاد يكون يومياً في حياة المراهقين المسلمين بأوروبا، وهنا تتحول الصداقة بين "إيش" وصديقه "مرام" إلى اختبار أخلاقي، وتنكشف هشاشة العلاقات حين تتدخل السلطة لتعيد ترتيب المواقع، أي من صديق إلى مشتبه به، ومن طفل إلى خطر محتمل.

ويستمد الفيلم قوته من كونه قريباً من السيرة الذاتية للمخرج، لكن هذه القربى تطرح سؤالاً نقدياً مشروعاً: إلى أي حدّ يستطيع الصدق الشخصي أن يتجاوز حدوده الذاتية ليصير خطاباً سينمائياً كونيّاً؟ ففي بعض اللحظات، نشاهد "إيش" أسير نزعة تأملية مفرطة، تُبطئ الإيقاع وتراكم الصمت على حساب التطور الدرامي. وكأن المخرج يراهن أكثر على الإحساس الداخلي للمشهد.

ولا يمكن إنكار أن الفيلم ينجح في مساءلة التنميط العرقي دون خطاب مباشر، وفي فضح الآليات الخفية التي تُنتج شعوراً دائماً بالذنب لدى أبناء الجاليات المسلمة، حتى وهم في سن الطفولة، لأنه فيلم عن الرجولة المكسورة، وعن هوية لا يُسمح لها أن تكون طبيعية، وعن صداقة تُختبر تحت عيون الشرطة لا تحت عيون المجتمع فقط.

ويأتي فيلم "إيش" كأول فيلم روائي طويل لعمران بيريتا بعد مسار فني تشكيلي وتجريبي مهني، وهو ما يفسر الطابع التأملي والاشتغال على الصوت والصورة ككيانين مستقلين أحياناً، بينما تم تقديم الفيلم لأول مرة في مهرجان البندقية، ثم بعده تم عرضه في مراكش، وهنا يضعه ضمن سياق سينما المهرجانات أكثر من سينما الجمهور، وهو اختيار واعٍ، لكنه يظل مطروحاً للنقاش: هل يكتفي الفيلم بإرضاء الذائقة المهرجانية، أم يملك القدرة على اختراق الوعي العام؟ فلا يمكن اعتبار "إيش" فيلماً سهلاً أو مريحاً، لكنه عمل صادق، متماسك، ويطرح أسئلة حقيقية حول معنى الانتماء، وحدود الصداقة، وثمن أن تولد مختلفاً في عالم لا يعترف بالاختلاف إلا نظرياً.