سينما المؤلف في المغرب تعلق أزمتها الإبداعية على شماعة القاعات
تصر كثير من النقاشات العقيمة حول السينما المغربية على اختزال أزمة هذه الصناعة في زاوية بنيوية تلخص الاشكال في قلة القاعات السينمائية وضعف الانتشار الجغرافي لشاشات العرض، باعتبارهما السبب المباشر في محدودية الإقبال الجماهيري، بينما أن هذا الطرح رغم حضوره المتكرر في الخطاب السينمائي، يتجاهل معطيات واقعية تكشف أن الجمهور المغربي لا يغيب عن القاعة بوصفها فضاءً، لكنه يغيب عن الفيلم بوصفه عرضًا ثقافيًا وسرديًا، لأن وجود أفلام تحقق نجاحًا تجاريًا داخل نفس الشروط القاعية، مقابل فشل أفلام أخرى مدعومة في جذب أي حضور يُذكر، يفرض إعادة توجيه السؤال من البنية إلى المحتوى، ومن القاعة إلى طبيعة الفيلم ذاته.
وتوضح التجربة السينمائية المغربية أن العلاقة بين عدد القاعات ونسب الإقبال ليست علاقة سببية مباشرة، إذ تحقق بعض الأفلام الكوميدية التجارية حضورًا جماهيريًا واضحًا رغم محدودية فضاءات العرض، إذ يُشير هذا المعطى إلى أن الجمهور يستجيب أساسًا لنوع المنتوج السينمائي المقدم، ولمدى قربه من انتظاراته وتمثلاته اليومية، لأن الفيلم القادرعلى خلق لحظة تواصل، أو توفير متعة سردية واضحة، يجد طريقه إلى المتلقي حتى داخل بنية عرض تعاني من الهشاشة، كما يخصل اليوم مع السينما التجارية المغربية مقابل ما يسمى بسينما المؤلف الفاشلة.
وتكشف المقارنة بين الأفلام التجارية وأفلام تُصنَّف ضمن سينما المؤلف عن اختلال في تفسير أسباب الفشل الجماهيري، حينما يُعزى الغياب إلى القاعات عوض مساءلة طبيعة الفيلم نفسه، فالعجز عن ملء قاعة واحدة، أو الصمود في البرمجة الأسبوعية، لا يمكن فصله عن خيارات سردية وجمالية تنتج خطابًا منغلقًا على ذاته، بينما يتعامل مع الجمهور كعنصر ثانوي أو غير مرغوب فيه. وفي هذه الحالة يتحول المتلقي إلى كيان غائب في مرحلة التصور، وحاضر فقط في لحظة التبرير.
وتُثيرمحدودية التلقي الجماهيري للأفلام المدعومة سؤالًا مركزيًا حول العلاقة بين التمويل العمومي والنتائج الثقافية المترتبة عنه، لأن الدعم بوصفه أداة لتشجيع الإنتاج السينمائي، يفترض إنتاج أعمال قادرة على التداول داخل المجال العمومي، سواء عبر القاعات أو المهرجانات، وعندما تفشل الأفلام في تحقيق أي حضور يُذكر على المستويين معًا، يصبح الإشكال مرتبطًا بغياب تصور متكامل للفيلم كمنتَج ثقافي له وظيفة تواصلية، وليس كملف إداري يستكمل شروط الإنتاج.
ويُبرزتوظيف مفهوم سينما المؤلف في المغرب التباسًا واضحًا، حينما تُستعمل التسمية أحيانًا كشرعية رمزية تسبق العمل عوض أن تنتج عنه شيئا يذكر، فغياب مشروع جمالي واضح، وضعف الاشتغال على الكتابة الأصلية والفيلم الاصلي، يجعل من صفة المؤلف عنوانًا معلقًا لا يجد ما يسنده داخل الفيلم نفسه، ومكان أن يشكل هذا النوع من السينما اقتراحًا بديلًا، يتحول إلى ممارسة معزولة عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي يُفترض أن تنبثق منه.
وتُعيد هذه المعطيات طرح موقع الأزمة بعيدًا عن القاعات السينمائية، وتربطه بقدرة الفيلم المغربي على الجمع بين البعد الفني وإمكانية التلقي، فالفيلم الذي لا ينجح في بناء علاقة مع الجمهور المحلي، ولا يحقق حضورًا نوعيًا في الفضاءات الدولية، يظل محصورًا داخل دائرة إنتاج مغلقة تُعيد إنتاج الفشل عوض تجاوزه. ومن ثم، يصبح السؤال الحقيقي مرتبطًا بخلق أفلام تمتلك قابلية العيش داخل المجتمع، وليس بالاكتفاء بتفسير الغياب عبر عوامل خارجية.
ويدعو هذا الواقع السينمائي المغربي إلى إعادة النظر الجذرية في منظومة الدعم الرسمية، إذ يثبت التاريخ والممارسة أن استمرار الدعم الحكومي المركّز على التسبيقات المالية لا يضمن نجاح الأفلام في شباك التذاكر، لانه غالبًا ما يغذي إنتاجات لا تجد صدى جماهيريًا حقيقيًا، بينما تؤكد التجارب الأخيرة أن الأفلام المنتجة من قبل شركات خاصة، التي تتحمل مسؤولية الإنتاج والتوزيع والتسويق بنفسها، تحقق نسب حضور عالية وتثبت جدوى الاستثمار الخاص في السينما المغربية، إذ تكشف هذه الحقائق أن قضية نقص القاعات السينمائية لا يمكن أن تظل شماعة لتبرير فشل الأفلام، فنجاح الأفلام التجارية المستقلة يفضح عجز سينما المؤلف ويبرز الحاجة إلى نموذج إنتاجي يعتمد على الحرية الإبداعية والمنافسة الفعلية، بعيدًا عن الدعم الذي يحصر المنتجين في دائرة الركود والتقليد، ويضع السينما المغربية في مكان متأخر مقارنة بإمكاناتها الحقيقية.