نتنياهو يبحث عن صورة مبهمة للنصر في غزة

نتنياهو يعلم ما يدور في عقل حماس، ويعلم أنها غير راغبة في ترك القطاع، مهما تكبد سكانه من خسائر ولا تميل قياداتها إلى توقيع صفقة تقود لخروجها.

تعدّدت تفسيرات تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الإصرار على احتلال مدينة غزة، والتي أطلق عليها رئيس أركانه "عربات جدعون 2"، بين رغبة في مواصلة القتال لضمان تماسك حكومته، وبين إجبار حركة حماس على الاستسلام التام. وهما تفسيران قد يصعب تحقيقهما. فالحكومة مهزوزة وبين أجنحتها خلافات عميقة، وتسليم حماس يعني إعدامها سياسيا، ولا يضمن وقف الحرب معها.

يعلم نتنياهو هذه النتيجة جيدا، ويحاول إيجاد مساحات جديدة تمكنه من المناورة وعدم استنزاف ما يملكه من أوراق متعددة، ويضع شروطا مختلفة من حين إلى آخر، حتى يحصل على صورة كبيرة للنصر الذي يريده. على مدار نحو عامين من الحرب لم يتمكن من تحرير أيّ من الأسرى والمحتجزين بالأدوات العسكرية لدى حماس، وكل من تم استرجاعهم كانوا من خلال المفاوضات، التي عندما تصل إلى مستوى إيجابي يتنصل منها في المتر الأخير.

يشير هذا التوجه إلى أن الرجل يملك في جعبته أجندة ويريد تنفيذها تدريجيا، ولم يكشف عن تفاصيلها، ربما تتعلق بما تحدث عنه حول إعادة هندسة الشرق الأوسط، أو تلميحه أخيرا حول ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى"، أو أنه لا يملك أجندة محددة أصلا ويبحث فقط عن تطور يساعده في النزول بسهولة من على شجرة صعد إليها، يبعده عن شبح محاكمة تنتظره بمجرد وقف الحرب، حيث يعلم أنها ستقوده إلى السجن، وأن الحماية التي وفرها له منصبه لن تفيده عقب ابتعاده عن رئاسة الحكومة، وإذا أجريت انتخابات في هذه الأجواء لن يتمكن اليمين في إسرائيل من الحصول على أكثر من ستين مقعدا، وفقا لآخر استطلاعات رأي، ويعيرها نتنياهو اهتماما كبيرا.

لم يتمكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن يوفر لنتنياهو صورة النصر التي يسعى إليها، بعد أن أمهله أكثر من فرصة عبر دعم واشنطن لفريقه على طاولة المفاوضات وتوفير كل ما يطلبه من أسلحة في ساحات القتال، وقد يشعر ترامب بالضجر من صديقه نتنياهو إذا لم يتمكن من الحصول على الصورة المطلوبة، والتي حتى الآن لا أحد يعرف ملامحها كاملة، ما يشي بأنها غير موجودة في الواقع، أو تتوارى في عقله حتى يعلن عنها في اللحظة الحاسمة، وربما تكون مشوشة، وتحتاج إلى وضع رتوش عليها تجعلها مفهومة من قبل جمهوره.

لا تمثل صورة النصر عائقا حقيقيا، فبعد رد حماس الإيجابي أخيرا حول مبادرة ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأميركي، تحدث نتنياهو عن الضغط الذي أجبر قيادة الحركة على التجاوب مع المبادرة، في محاولة لترويج منطقه في أن العمليات العسكرية هي اللغة الوحيدة التي تفهمها حماس.

وقالت وزارة الخارجية القطرية صراحة إن حماس وافقت على 98 في المئة منها، ثم تراجع مكتب نتنياهو وسرّب معلومات حول ضرورة عقد صفقة شاملة تتضمن شروطه وتؤدي إلى الإفراج عن كل الأسرى دفعة واحدة، وبعد أن ارتفعت أصوات أهالي الأسرى، نشرت معلومات حول إمكانية إرسال وفد إسرائيلي للتفاوض في القاهرة أو الدوحة.

في خضم هذه التحولات، تستمر قيادة الجيش في تجهيزاتها لتنفيذ عملية "عربات جدعون 2"، والتي قد لا تمكن نتنياهو من الحصول على أيّ صورة جيدة للنصر، لأن التحديات التي ستواجهها على الأرض صعبة، والحرب وسط شوارع مدينة غزة يمكن أن تكون في صالح عناصر حماس، حيث يجيدون الكر والفر، وربما تؤدي إلى أسر جندي أو أكثر، وهي صورة تبحث عنها حماس حاليا، وكثفت جهودها من أجل تحقيقها، لأنها تحرج نتنياهو وجيشه، وعلى الرغم من عدم أهميتها عسكريا، إلا أن قيمتها السياسية سوف تضاعف الضغط على الجيش الإسرائيلي، ومن ثم نتنياهو.

كما أن ردود الفعل الدولية على ما يحدث في غزة وتعثر دخول المساعدات الإنسانية بكميات وفيرة زادت الأيام المقبلة، وجاء حديث الأمم المتحدة عن وقوع مجاعة لأول مرة، وإشارات جهات عديدة إلى وجود إبادة جماعية، كلها عوامل تحرم نتنياهو من أيّ صورة نصر يمكن أن يحصل عليها، لأن الحرب غير متكافئة، والمشاهد القاسية التي تنقل عبر وسائل الإعلام لم تعد إسرائيل قادرة على التحكم فيها، بل إن الرئيس ترامب نفسه طالب بدخول صحافيين إلى غزة لنقل صورة واقعية، ويبدو أن مستشاريه لم ينقلوا إليه ما يجري في القطاع بشكل دقيق، ويعتمد فقط على ما يصله من نتنياهو ومستشاريه حول نفي المجاعة والإبادة.

أبدى نتنياهو استعداده للعودة إلى التفاوض تحت وقع استمرار إطلاق النار، كأن كل الجولات السابقة كانت تتم في هدوء، بما يؤكد أن العملية العسكرية في مدينة غزة لن تتوقف.

والمثير في تصرفات إسرائيل الجديدة أنها غيرت كثيرا الصورة النمطية عنها في مسألة التهديد من أجل المناورة أو كأداة للضغط، وبات جزء كبير من التهديدات يتم تنفيذه لإضفاء مصداقية على توجهاتها، وأن الردع خير وسيلة للدفاع، وتركت تجربة طوفان الأقصى درسا قاسيا حول ضرورة القيام بخطوات استباقية عندما يكون هناك شك في شيء أو خطر تبلغ نسبته أقل من 1 في المئة، فالصور السيئة التي خلّفتها عناصر حماس وهم في غلاف غزة لن تبارح أذهان إسرائيليين سنوات طويلة.

يعلم نتنياهو ما يدور في عقل حماس، ويعلم أنها غير راغبة في ترك القطاع، مهما تكبد سكانه من خسائر مادية ومعنوية، ولا تميل قياداتها إلى توقيع صفقة تقود إلى خروجها من المسرحين العسكري والسياسي، ويلعب على هذا الوتر كي يضمن استمرار الحرب لأطول فترة، وعندما وافقت الحركة على غالبية بنود مبادرة ستيف ويتكوف تحت ضغوط خارجية وفصائلية، جاءها حبل الإنقاذ من نتنياهو نفسه، فهي أيضا ترفض الاستسلام وتبحث عن صورة نصر مقابلة.

ولم تعد المشاهد الكثيرة للضحايا والجوعى والأطفال والنساء كافية لإدانة إسرائيل، وهو ما راهنت عليه حماس دوما، فالمجتمع الدولي اعتاد على رؤيتها، والناس لا يتحركون بالشكل الكافي الذي يحرج إسرائيل أخلاقيا، وإن تحركوا لم تعد ضغوطهم الرمزية تمثل عبئا ثقيلا على حكومتها، ونجحت الآلة الإعلامية في تكرار المشاهد الإنسانية للدرجة التي لا تثير اشمئزاز كثيرين، وتحوّلت الصور التي من الواجب أن تصبح إدانة لإسرائيل إلى أداة توحي بكسر إرادة الفلسطينيين، وإنهاك أجسادهم والنيل من أطفالهم ونسائهم، وإحباطهم ومن يقفون إلى جوارهم معنويا.

تتعدد صور الهزيمة وتتباين صور النصر على الجانبين، ويميل نتنياهو إلى تجاوز عملية التقاط الصورة التي تنقذه سياسيا، لأن أوانها فات، والبحث يجري عن توقيت مناسب، يقصر أو يطول، يعلن فيه رئيس الوزراء أن أهدافه جميعا تحققت، وليس شرطا أن يصبح الوضع الميداني والسياسي متوافقا مع ذلك، فالآلة الإعلامية الجبارة تستطيع تقديم الشيء ونقيضه، إذا اختارت إسرائيل مشهد النهاية، بلا نظر إلى مكونات الصورة وما تحويه من تفاصيل دقيقة.