نزع سلاح حماس ومصير الدولة الفلسطينية
حاولت حركة حماس الاستفادة من الزخم الدولي الذي توافر مؤخرا بشأن عزم بعض الدول الغربية الاعتراف بدولة فلسطينية في سبتمبر المقبل، وربطت نزع سلاحها بقيام هذه الدولة، وهي تعلم أن تحقيق ذلك سيواجه بصعوبات إسرائيلية على الأرض، واعتراض (فيتو) أميركي في مجلس الأمن، ومعوقات سياسية من جانب قوى دولية عديدة، بمعنى آخر أن المرونة التي بدت في خطاب حماس تعجيزية.
في خضم سعي الحركة إلى قذف الكرة في مرمى المجتمع الدولي، تجاهلت بعض المحددات المهمة، أبرزها: أن هناك ربطا بين الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة وبين نزع سلاح حماس وعدم مشاركتها في أيّ سلطة تتشكل بعد وقف الحرب على قطاع غزة، كأنها أرادت وضع العربة أمام الحصان، وتساعد إسرائيل في عدم السماح بتهيئة الأجواء لحل الدولتين، كفكرة بدأت تحظى بقدر كبير من التوافق الدولي، وأحرجت الولايات المتحدة التي اعترضت على الدعم الغربي للفكرة.
كما أن شرط حماس يتناقض مع ميثاقها الذي لا يعترف بإسرائيل أصلا، ويتبنى دولة فلسطينية من النهر إلى البحر، أي لا وجود لإسرائيل في أجندتها، ما يعني أن الربط بين نزع السلاح وبين الدولة المستقلة يتجاوز ما رسخ حول أفكار الحركة، وكان أولى بها أن تعيد النظر في ميثاقها، وتجري تعديلا، يتواءم مع التطورات الراهنة ليتسنى التعامل معها بمصداقية، فرغبتها وضع المجتمع الدولي في مأزق وإرباك الولايات المتحدة وخلط الأوراق لن تمكنها من عدم نزع سلاحها أو الاعتراف بدولة فلسطينية.
قد يكون التعاطف مع فكرة الدولة والدعم الذي حصلت عليه أسدى خدمة غير مباشرة لإسرائيل، وخفف الحديث عن فرض عقوبات أوروبية، وبدت فرنسا وبريطانيا وكندا وغيرها من الدول غير مضطرة إلى اتخاذ إجراءات عملية لمعاقبتها على سلوكها اللاإنساني، وتصرفاتها التي أدت إلى وجود مجاعة في غزة.
وحظي حديث الدولة الفلسطينية على اهتمام من قبل وسائل إعلام دولية، وكأنه اختراع جديد سوف يتحقق مع عقد الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعها السنوي، أو أن خطوة الاعتراف خالية من الشروط، في حين أن غياب حماس من أهم الشروط.
ونزعت زيارة ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى غزة وسط دعم دولي مشروط للدولة الفلسطينية الكثير من الدسم السياسي الذي وفره اجتماع نيويورك بشأن حل الدولتين ورعته فرنسا والسعودية، وكان على حماس أن تستثمر في هذا المؤتمر وتعلن قبولها نزع سلاحها وتحرج إسرائيل، ولا تحجب الضوء عن عودة الاهتمام بفكرة الدولة.
وتعلم الحركة أن ما تبقى من سلاح لدى عناصرها لا يتجاوز نوعيات مختلفة من الأسلحة الخفيفة، تستطيع إسرائيل التعامل معها، لكنها تتعمد الحديث عن نزع سلاح حماس، بلا تفصيل لأنواعه، بهدف تضخيمه وخداع المجتمع الدولي بأن الحركة لا تزال تمثل تهديدا وجوديا لها، بما يبرر سلوكها العسكري العدواني، وعدم الضغط كثيرا عليها لإدخال المساعدات الإنسانية، فضلا عن إقناع الداخل في إسرائيل بأن التخلص من حماس نهائيا يحتاج إلى وقت أطول، وهو ما يستفيد منه بنيامين نتنياهو في مد عمر حكومته اليمينية.
أخطأت حماس مرتين عندما ربطت بين نزع سلاحها والاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة. مرة لأنها لم تتعاون قط مع السلطة الفلسطينية في هذه المسألة عندما كانت الظروف مهيأة لحث المجتمع الدولي على الاعتراف، وساهمت عمليات العنف التي قامت بها عناصر تابعة للحركة داخل إسرائيل في تقويض جزء معتبر من مكونات السلطة التي تمخضت عن اتفاق أوسلو عام 1993، ومنحت قوات الاحتلال فرصة لتفكيكها والتلاعب بها أمنيا وسياسيا واقتصاديا، وعدم التجاوب مع أيّ مفاوضات أو عملية تقود إلى تسوية تسمح بقيام دولة فلسطينية.
ومرة ثانية، لأن اعتراف المجتمع الدولي لا قيمة له في تأسيس دولة فعلية، فهناك نحو 142 دولة اعترفت بالدولة الفلسطينية، وقد يتزايد هذا العدد في سبتمبر المقبل، ولا يتبقى سوى بضع دول للوصول إلى العدد الكلي لأعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، من دون أن توجد دولة على الأرض، بقطع النظر عن مقوماتها ومؤهلاتها وقابليتها للحياة، فأحد الشروط موافقة إسرائيل والدخول في مفاوضات، الأمر الذي ترفضه تل أبيب، وتبنت الحكومة اليمينية جملة من الإجراءات التي ساهمت في وضع مطبات أمام أيّ نواة لدولة، ونشرت المزيد من المستوطنات، وطردت الكثير من سكان الضفة الغربية، وقسّمت جزءا كبيرا منها إلى كانتونات، وتسعى إلى تطبيق هذا السيناريو في قطاع غزة، ما يمكّن إسرائيل من محو فكرة الدولة من أيّ خارطة سياسية.
يحوي تمسك حماس بسلاحها وربط التخلي عنه قيمة معنوية تتعلق بأنها تملك ترسانة أسلحة، على خلاف الحقيقة، لكن لن يساعدها في إزعاج إسرائيل بالشكل الذي يجعلها تستسلم لفكرة العودة إلى مفاوضات على أساس حل الدولتين، أو يغير موقف المجتمع الدولي من الحركة، ويدفع قوى رئيسية نحو الضغط على إسرائيل، ربما يحدث العكس، وتقدم الحركة خدمة لدول غربية اتجهت نحو إحياء فكرة الدولة بعد ضغوط شعبية، وخروج مظاهرات حاشدة لإجبار بعض الحكومات على اتخاذ خطوة متقدمة.
تبدو خطوة الاعتراف بالدولة الفلسطينية متقدمة وسط الإحباطات التي يعيشها الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية، بينما هي في مضمونها تحتاج إلى عمل سياسي دؤوب من قبل جميع القوى الوطنية، وكان على حماس أن تلتقط الخيط وتتعامل معه بإيجابية وليس من خلال وضع شروط لشيء (نزع السلاح) هي أول من تعلم أنه غير حقيقي، وتقدم لبعض القوى الغربية الأداة التي تمكنها من النأي عن فكرة الدولة، وتوفير فرصة تساعدها على التنصل من أيّ وعود قطعتها على نفسها مؤخرا.
لم تتعلم حماس من الكوارث التي حلت بالأراضي الفلسطينية، وكأنها تتفق مع اليمين الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، فكلما لاحت فرصة لأمل تتكفل بإنهائها سريعا، حيث تقودها حساباتها الحركية الضيقة إلى الوقوع في ما ينصبه لها نتنياهو من فخاخ سياسية وعسكرية، وتساعده على الوصول إلى أغراضه بسهولة.
فمنذ عملية طوفان الأقصى والأخطاء تتراكم بصورة تزيد الأوضاع تأزما في غزة والضفة، دون أن تجيد قيادات الحركة التجديف ووقف ما تقوم به إسرائيل، فجزء من نجاحات نتنياهو يأتي عبر تمكنه من اختراق عقل حماس، وقدرته على استثمار ما ترتكبه من أخطاء، فالارتباط الشرطي بين نزع سلاحها وبين الاعتراف بدولة فلسطينية، قدم هدية إلى إسرائيل تساعدها على وقف زحف التأييد لسردية الدولة، وعندما نصل إلى سبتمبر المقبل قد تصبح الفكرة من الماضي.