هل تنهي إقالة أبورغيف جدل وفوضى التسريبات
بغداد - جاءت إقالة رئيس هيئة الإعلام والاتصالات في العراق، نوفل أبو رغيف، بعد سلسلة من التطورات المتسارعة التي وضعت المؤسسة في قلب عاصفة سياسية وإعلامية غير مسبوقة، وأفضت في النهاية إلى قرار الحكومة بإعفائه من مهامه والبحث عن قيادة جديدة قادرة على احتواء الجدل المتصاعد.
وعلى الرغم من أن الإقالة بدت مفاجئة للبعض، إلا أنّ خلفياتها تكشف عن مسار طويل من الضغوط الشخصية والسياسية والفضائح التي أضعفت قدرة أبورغيف على البقاء في موقعه.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن أبورغيف سبق أن تقدّم بطلب إنهاء تكليفه أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، قبل أن يعيد تقديم الطلب رسميًا إلى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. ووفق هذه الرواية، فإن حجم الضغوط التي تعرّض لها، وما لحق به وبأسرته من استهداف وتشهير، دفعه أخيرًا إلى اتخاذ خطوة طلب الإعفاء، خاصة أن موقعه في الهيئة وضعه في مواجهة أطراف متعددة، بعضها داخل المؤسسة نفسها وبعضها الآخر مرتبط بتوازنات القوى في المشهد الإعلامي العراقي.
غير أن النقطة المفصلية التي عجّلت بإزاحته عن رئاسة الهيئة كانت انتشار تسجيل صوتي مسرّب نُسب إليه، وأثار موجة غضب واسعة داخل الأوساط الإعلامية والسياسية. فقد تضمّن التسجيل توجيهات قيل إنها تمس طريقة تعامل الهيئة مع الإعلاميين والناشطين، وهو ما فُهم كنوع من التضييق وإعادة صياغة العلاقة مع وسائل الإعلام بطريقة تستفز الرأي العام. ومع انتشار التسريب على نطاق واسع، ارتفعت الأصوات المطالبة بالتحقيق وإقالته، لتتسع دائرة الجدل وتتحول القضية إلى أزمة تمس سمعة الهيئة واستقرارها.
وتشير مصادر سياسية إلى أن التسريب شكّل لحظة حاسمة أطاحت بآخر ما بقي من قدرة أبو رغيف على المناورة. فالجدل لم يكن محصورًا في مضمون التسجيل، بل في توقيته وفي طبيعة الجهات التي تقف وراء خروجه للعلن، ما يعني أن الإقالة جاءت أيضًا نتيجة صراع نفوذ داخل المؤسسات الإعلامية. كما أن أبو رغيف، بحسب مقربين منه، بات يواجه ضغوطًا أمنية وشخصية وقانونية دفعته إلى تفضيل مغادرة المنصب، خاصة مع انشغاله بمتابعة قضايا وشكاوى رفعها إلى القضاء.
وبموازاة ذلك، بدا واضحًا أن الحكومة تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد داخل هيئة الإعلام والاتصالات بعد سلسلة من الاضطرابات الداخلية. فالهيئة، التي تُعد إحدى أكثر المؤسسات حساسية في البلاد، لا تحتمل استمرار حالة التوتر أو فقدان الثقة من جانب الإعلام والرأي العام، خصوصًا أن دورها يمتد إلى تنظيم الفضاء الإعلامي والرقمي، وهو ملف يرتبط مباشرة بصورة الحكومة والتزاماتها تجاه حرية التعبير.
وفي ظل هذا الفراغ، بدأت تتداول في الأوساط الحكومية أسماء مرشحين لقيادة الهيئة في المرحلة المقبلة، من بينهم محمد الغرباوي، الذي طُرح اسمه ضمن توجه لتكليف شخصية إدارية من داخل الجهاز، بما يضمن استعادة التوازن بسرعة ويحدّ من تأثيرات الأزمة. كما جرى تداول أسماء أخرى مثل بليغ أبو كلل، ما يعكس حجم النقاش داخل دوائر القرار حول هوية الشخص القادر على إدارة المرحلة المقبلة.
وتكشف هذه التطورات في مجملها عن دلالات سياسية عميقة، فهي تعكس هشاشة العلاقة بين السلطة والمؤسسات المنظمة للإعلام، كما تعكس حساسية التوازن بين متطلبات الضبط الإداري وبين الحاجة إلى حماية الحريات الإعلامية. وعلى الرغم من أن قرار الإقالة جاء في إطار «طلب إنهاء التكليف» بحسب الرواية الرسمية، فإن السياق العام يوحي بأن الجدل حول التسريب والضغوط المتراكمة كانا العامل الحاسم في إنهاء مهمة أبو رغيف وفتح الباب أمام مرحلة جديدة داخل الهيئة.
بهذا، يكون استبدال رئيس هيئة الإعلام والاتصالات خطوة تهدف إلى احتواء الأزمة وإعادة بناء الثقة في مؤسسة محورية، في لحظة تتطلب من الحكومة طمأنة الداخل والخارج بأن إدارة الفضاء الإعلامي في البلاد تسير في اتجاه أكثر استقرارًا وهدوءًا.