'هُم' عرض مغربي يعرّي صراع الذات على ركح قرطاج

أسماء الهوري تقدم لجمهور أيام قرطاج المسرحية رحلة في أعماق النفس.
خديجة سويسي
تونس

تونس - احتضنت قاعة الريو بالعاصمة، الخميس، عرض المسرحية المغربية "هُم" للمخرجة أسماء الهوري، وذلك ضمن فعاليات المسابقة الرسمية للدورة السادسة والعشرين من أيّام قرطاج المسرحية، التي انطلقت في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري وتتواصل إلى غاية 29 منه.

قدّم هذا العمل، الذي كتب نصّه عبدالله زريقة، كلّ من زينب علجي ومحمد شهير وهاجر الشركي وعبدالرحيم التميمي، بمرافقة موسيقية حيّة تولّاها ثلاثة عازفين: عبدالعالي الروداني وأسامة بورواين ورشيد البرومي.

تستكشف المسرحية صراع الإنسان مع ذاته، وتغوص في لحظات ضعفه وقوته، وفي رغبته في الهروب من نفسه ومن الضغوط الاجتماعية التي تحيط به. كما تتطرّق إلى قدرة الفرد على الكتابة والتعبير في سياقات نفسية معقّدة، حيث تتداخل الأسئلة الوجودية وتتعاظم الرغبة في التحرّر من أثقال الحياة اليومية.

يبدأ العرض بمشهد يعتمد تقنية خيال الظل: ظلالٌ تتحرّك خلف ستارة تتوسّط المسرح في إيقاع سريع، على وقع أصوات صاخبة تحاكي حالة حرب أو فوضى داخلية. ومن خلف الستارة يفرّ أربعة ممثلين حاملين كراسيهم وطاولة صغيرة، ثم يغلقون الباب خلفهم كأنهم يهربون من جلبة عالم منهار، نحو عزلة مؤقّتة لا يجدون فيها إلا أنفسهم.

يدخل الممثلون إلى الخشبة بثياب رسمية تحيل على الإدارات والمواقع السلطوية. غير أنّهم سرعان ما يبدؤون بنزع تلك الملابس ورميها في كيس قمامة، في إشارة إلى التخلّص من الأدوار الاجتماعية والتراتبية والصفات التي فرضها المجتمع عليهم. وهي حركة رمزية تختصر رغبتهم في الانعتاق من الأعراف والواجبات والتصنيفات التي كبّلتهم.

الشخصيات الأربع بلا أسماء، لكنها تتكامل وتتناغم، حتى ليبدو الخطاب وكأنه يصدر عن ذات واحدة تتشظّى في أربعة مرايا. وقد مثّل هذا التجانس في الحركة والقول إحدى نقاط قوة العرض، إذ تحوّلت الخشبة إلى مساحة يتردّد فيها صدى النفس البشرية وهي تحاور صورتها.

اعتمد الممثلون لغة عربية فصيحة، بنَفَس شعري وفلسفي، يرسم ملامح الصراع الذي تعيشه النفس حين تصبح عاجزة عن فهم ذاتها أو التعبير عنها. تتلعثم الكلمات، تختنق الجمل، ويتحوّل العجز عن الكتابة والصراخ إلى تشنّجات جسدية تعبّر عن الاضطراب الداخلي والبحث عن صوت ضائع.

جمعت المسرحية بين الحوار والغناء والرقص، فخلقت حالة ديناميكية متواصلة على الخشبة. وقد لفت الأداء الغنائي لهاجر الشركي انتباه الجمهور بصوتها العذب الذي حصد التفاعل والتصفيق مع كل مقطع تؤديه. أما اللوحات الكوريغرافية، فزادت المشاهد حياة وعمقاً، وأبرزت الانسجام بين أفراد الفريق.

كما كشف الضوء الخافت خلف الستار عن ثلاثة عازفين رافقوا العرض منذ بدايته حتى نهايته، بمقطوعات تراوحت بين موسيقى صاخبة تتماهى مع فوضى الشخصيات وحدّتها، وأنغام هادئة تواكب لحظات التأمّل والانكسار.

لم تخلُ المسرحية من رسائل مباشرة، من بينها التحذير من التلوّث الذي أصبح يهدّد مستقبل الأرض والوجود البشري. وقد اختُزلت هذه الفكرة في جملة صادمة قالها أحد الممثلين: "تحوّلت الكرة الأرضية إلى مزبلة". ثم أضاف متسائلاً: "أشكّ في أن تكون هناك نهاية سعيدة لهذا العالم."

يُختتم العرض بمشهد يفتح فيه الباب الذي ظلّ مغلقاً طيلة المسرحية، ليظهر ضوء قنديل صغير يتسلّل إلى الداخل. وهو مشهد يوحي بإمكانية النجاة، ودعوة إلى التشبّث بالأمل رغم التصدّع الداخلي والخراب الخارجي. وكأنّ الضوء يذكّر بأن الإنسان قادر على إعادة بناء ذاته مهما تعاظمت العتمة.

ويأتي عرض "هُم" من المغرب، وهو من إنتاج مسرح أنفاس، بنصّ كتبه عبد الله زريقة، ودراماتورجيا صاغها كلّ من أسماء الهوري ورشيد البرومي. تولّت أسماء الهوري الإخراج، فيما وضع أمين بودريقة التصوّر السينوغرافي للعمل، وأسهم رشيد البرومي في صياغة الموسيقى التي رافقت العرض. أدّى الأدوار على الخشبة أربعة ممثلين هم زينب علجي ومحمد شهير وهاجر الشركي وعبد الرحمان التميمي، وقد قُدّم العرض كاملاً باللغة العربية الفصحى، وامتدّ على مدى سبعين دقيقة.

وفي خلفية العمل، يظلّ صوت الشخص العاجز عن التمييز بين ذاته وكلماته، عالقاً في دوّامة من الشكّ والتيه، إلى أن يسمع طرقاً على الباب… هل هو صوت حقيقي؟ أم مجرّد وهم جديد؟ يظهر صوت ساعي البريد كرسالة تنزلق من تحت باب مغلق، الباب ذاته الذي يظلّ المنفذ الوحيد لكلّ ما يأتي من الخارج… من عند هُم.

وتضم الدورة 26 لأيام قرطاج المسرحية 12 عرضًا في المسابقة الرسمية، و15 عرضًا ضمن قسم "مسرح العالم"، و16 عرضًا تونسيًا، و6 عروض عربية وأفريقية، و12 عرضًا للطفولة والناشئة، و6 عروض للهواة، إضافة إلى 16 عرضًا في قسم "مسرح الحرية" الذي تشارك فيه وحدات سجنية ومراكز إصلاح.

وتؤكد دورة هذا العام، بانفتاحها على التجارب العربية والعالمية وتنوّع رؤاها، أنّ المسرح يظلّ فضاءً للوعي والتغيير ومرآة تعكس نبض المجتمع التونسي والعربي.

ويعدّ مهرجان أيام قرطاج المسرحية، الذي تشرف عليه وزارة الشؤون الثقافية التونسية، أحد أعرق المهرجانات العربية والأفريقية منذ تأسيسه عام 1983 على يد المسرحي الراحل المنصف السويسي. وقد تحوّل اليوم إلى موعد سنوي ثابت لعشاق المسرح، مع تركيزه على التجارب الأفريقية والعربية إلى جانب عروض من مختلف قارات العالم.