وادي الذهب… حيث تنتصر الحقائق على الأوهام

المغرب، في وادي الذهب، يبرهن أن البوصلة ثابتة: أرضه خط أحمر وتنميتها التزام غير قابل للتأجيل ومستقبلها جزء من مشروع أمة لا ترسم حدودها إلا إرادتها.

في عالم تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه خرائط النفوذ، هناك حقائق لا تهتز مهما طال الزمن. واحدة من هذه الحقائق أن وادي الذهب، منذ عودته إلى الوطن الأم سنة 1979، لم يكن يوماً موضع مساومة، بل كان وما يزال جزءاً أصيلاً من السيادة المغربية، راسخاً رسوخ الأطلسي الذي يعانق شواطئه.

هذه الذكرى ليست مجرد استرجاع أرض، بل استرجاع معنى، فالمغرب لم يذهب إلى الجنوب بحثاً عن جغرافيا، بل لحماية هوية ممتدة، ولربط شرايين الوطن التي حاولت السياسة الاستعمارية أن تقطعها. واليوم، بعد ستة وأربعين عاماً، يقف وادي الذهب كأقوى دليل على أن إرادة الشعوب قادرة على إعادة رسم الخرائط، لا بالحبر، بل بالعمل والبناء.

حين يطلق المغرب مشاريع كبرى في أقصى جنوبه – من ميناء الداخلة الأطلسي إلى الممرات اللوجيستيكية التي تربط إفريقيا بالمحيط – فهو لا يرسل رسالة تنموية فقط، بل رسالة استراتيجية للعالم: أن الأقاليم الجنوبية ليست قضية تفاوضية، بل فضاء استثماري منفتح، ومركز إقليمي للتكامل الاقتصادي، وشريان عبور نحو إفريقيا وأميركا.

الأمر اللافت أن هذا الزخم الميداني يوازيه تحوّل دبلوماسي متسارع. فالمواقف المؤيدة لمغربية الصحراء لم تعد استثناءً، بل قاعدة تتوسع. من واشنطن ومدريد إلى لندن ولشبونة، باتت دول وازنة تعلن صراحة دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الحل الواقعي الوحيد، في لحظة إقليمية يندر فيها الاتفاق على أي ملف.

إن الرسالة الأوضح في ذكرى وادي الذهب اليوم هي أن المغرب لا يكتفي بالدفاع عن وحدته الترابية في المؤتمرات، بل يكرسها على الأرض، بمشاريع تنمية حقيقية، وبربط الاقتصاد بالسيادة، وبمنح الإنسان – لا الخطاب – موقع الصدارة.

في زمن الأزمات، قليلون هم من يملكون وضوح البوصلة. والمغرب، في وادي الذهب، يبرهن أن البوصلة ثابتة: أرضه خط أحمر، وتنميتها التزام غير قابل للتأجيل، ومستقبلها جزء من مشروع أمة لا ترسم حدودها إلا إرادتها.