اغتالوا لبنان حين أطلقوا الرصاص عليه

قتلوا لقمان سليم ليكون درسا لكل مَن يحاول أن يسمي القتلة بأسمائهم.
سيُقال إنه دافع عن بشر لم يكونوا على استعداد للدفاع عن أنفسهم
متاهة التحقيق في اغتيال لقمان سليم سوف تتسع دروبها من أجل مزيد من الضياع

منع حزب الله القاضي طارق بيطار من إكمال تحقيقاته الخاصة بانفجار مرفأ بيروت آب/اغسطس 2020. تفجير لبنان كله كان ثمن تلك التحقيقات. في المقابل فإن لقمان سليم وهو ناشر وكاتب وناشط سياسي لم يتوقف عن تسمية حزب الله باعتباره الجهة المسؤولة عن ذلك الانفجار لأنه الطرف اللبناني المسلح الوحيدة المستفيد من تلك الكميات الهائلة من نترات الأمونيا، وهي المادة التي سبق له وأن أعاد تصديرها إلى سوريا، هناك حيث يحارب مقاتلوه إلى جانب النظام دفاعا عن استمرار النفوذ الإيراني بالرغم من الهيمنة الروسية.

كانت هناك حاجة لاغتيال لقمان سليم. ليس من أجل اسكاته حسب، بل وأيضا من أن أجل أن يكون مقتله درسا لكل مَن يحاول أن يسمي القتلة بأسمائهم. المطلوب أن يكون كل كلام مبهما وكل أصبع محتج لا يشير إلى جهة بعينها. شيء مما تعودنا عليه في حياتنا التي امتلأت زيفا وكذبا وخوفا وخلطا للأوراق. وما كان لحزب الله أن يبتلع لبنان ويذل شعبه ويصل به إلى مرحلة الجوع المهين لولا ذلك السلوك المراوغ الذي ينطوي على الكثير من الجبن الذي يخون الحقيقة.

كان لقمان سليم الذي مرت ذكرى اغتياله قبل أيام واحدا من قلة قررت أن تكون صوت الحقيقة. كان مواطنا سويا أحب بلاده ونذر حياته من أجل أن يقدم النصح لشعبه كاشفا عن حقيقة القناع الذي وضعته المقاومة على وجه حزب الله لتخفي من خلاله الجريمة. كان لقمان سليم على يقين من أن استمرار السكوت عن القتلة سيقود بالضرورة إلى الانهيار الشامل بعد أن يتسيد أولئك القتلة على لبنان ويعلنون عن قيام دولتهم. صحيح أن لقمان سليم كان حلقة في سلسلة من الكتاب المغدورين من نوع جبران تويني وسمير قصير، غير أنه كان الحلقة التي أعلن من خلالها حزب الله عن ضلوعه في القتل مطمئنا إلى أنه سيفلت من العقاب.

ومهما قيل عن السعي الدولي للكشف عن القتلة فإن مقتله سيُلحَق بانفجار بيروت. لم تجرؤ جهة دولية على الدفاع عن القاضي طارق بيطار. لم يُقتل بيطار لأنه يمثل موقعا رمزيا في الدولة إن تم اختراقه فإن الدولة كلها ستكون مهددة بالانهيار. غير أن اسكاته كان شرطا لبقاء تلك الدولة. اما لقمان سليم فإن متاهة التحقيق في مقتله ستتسع دروبها من أجل مزيد من الضياع. وإذا ما كان بيطار قد سمى المسؤولين عن انفجار بيروت فإن شيئا لم يُعلن عما انتهت إليه التحقيقات في ما يتعلق بمقتل لقمان سليم الذي سيظل غامضا بالرغم من أن كل القرائن تشير إلى قاتل واحد لا سواه. الجهة المستفيدة من اسكات صوته هي التي تتحكم بطريقة مشددة بالمنطقة التي قُتل فيها. تلك الجهة هي حزب الله.

لذلك لا معنى لإضاعة الوقت على الأقل على المستوى العالمي. فمَن استطاع أن يوقف التحقيقات في شأن انفجار المرفأ الذي دمر نصف بيروت التاريخية وقتل مئات الأشخاص في إمكانه أن يطوي ملف لقمان سليم مستندا إلى أن سلسلة الاغتيالات التي بدأت مع اغتيال رفيق الحريري تم القفز عليها بعد أن تحولت إلى احتفالات فلكلورية. كان على الشعب أن يفعل شيئا بالتأكيد. هل كان ذلك الشيء فوق قدرته؟ أعتقد أن هناك شيئا ما ينقصنا. ذلك هو الشيء الذي حاول استنهاضه وبعث الروح فيه لقمان سليم. كان سليم يثق بأن اللبنانيين إن لم ينقذوا أنفسهم فلا أحد سيهب لنجدتهم. لا معنى لإنقاذ شعب لا يهب لإنقاذ نفسه. لو أن لقمان سليم وصل إلى تلك النتيجة لما قُتل.

ولكن لقمان سليم كان يتعامل مع الحقائق بطريقة مختلفة. طريقة أدت نزاهتها إلى الموت. سيُقال إنه دافع عن بشر لم يكونوا على استعداد للدفاع عن أنفسهم. هناك ما يُدل على ذلك. غير أن مهمة الكاتب تفرض عليه أشياء قد لا يراها المرء واقعيا. دافع لقمان سليم حالما عن شعبه وهو يقول الحقائق التي يعرفها الشعب ولا يجرؤ على قولها. لقد سعى من خلال بطولة استثنائية أن يزيح قناع المقاومة عن وجه حزب الله ليكشف عن الجريمة.   
غير مرة رأيته من خلال الفضائيات وهو يشير بإصبعه إلى القاتل. كان ذلك القاتل يقف قريبا منه. كان لقمان يعرف أن مسدس القاتل محشو بالرصاص. ألأنه لم يخف؟ قال كلمة. ولكنها ليست كلمة. مصير لبنان كله كان هناك. اما حين أطلقوا الرصاص عليه فإنهم اغتالوا لبنان.