إمارة المؤمنين والبيعة في المغرب: تلاحم الشرعية والروح في تحصين النموذج الديني والسياسي
في زمن مضطرب تتزايد فيه أسئلة الهوية، وتتنامى فيه محاولات توظيف الدين لأغراض سياسية وصراعات عابرة للحدود، ينهض المغرب بنموذج ديني وسياسي فريد يجمع بين الجذور العريقة والآفاق المستقبلية. في قلب هذا النموذج، تلتقي مؤسسة إمارة المؤمنين ونظام البيعة في صيغة متفردة للشرعية، تمزج بين الدين والدولة، وبين الوفاء للأصالة والانفتاح على الحداثة.
البيعة: عقد سيادي وروحي متجدد
البيعة في المغرب ليست مجرد طقس رمزي يُجدد كل عام في عيد العرش، بل هي تجسيد لعقد تاريخي متين بين الملك والشعب، يجمع بين الولاء المتبادل، والتزامات الحماية والرعاية، والوفاء لثوابت الأمة. إنها تعبير سياسي وروحي في آنٍ واحد، ينقل الشرعية من كونها فعلًا دستورياً إلى كونها رابطة وجدانية وثقافية، تمتد في عمق التاريخ المغربي منذ قرون.
في هذه الصيغة المغربية الأصيلة، يكتسب الملك شرعيته ليس فقط من صناديق الاقتراع أو النصوص الدستورية، بل من البيعة التي تمثل القاعدة الصلبة لإمارة المؤمنين، والتي تضمن استمرارية الدولة، ووحدة الأمة، وثبات المرجعية الدينية.
إمارة المؤمنين: مرتكز الشرعية وحصن الأمن الروحي
تمثل إمارة المؤمنين، كما نص على ذلك الدستور المغربي، جوهر النموذج الديني والسياسي في المملكة، فهي ليست مجرد لقب رمزي، بل مؤسسة روحية وسيادية تستمد شرعيتها من البيعة، وتنهض بوظائف عميقة: حماية الدين، وصيانة الوحدة المذهبية، والتصدي للتطرف، وتحصين العقيدة من الانزلاقات السياسوية أو المذهبية الوافدة.
وقد اضطلع الملك محمد السادس، بصفته أميرًا للمؤمنين، بدور محوري في تحديث الحقل الديني وتحصينه، فمن خلال إعادة هيكلة المجالس العلمية، وإحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين، ومأسسة الفتوى، وتنظيم الإعلام الديني، تم بناء منظومة متكاملة تُزاوج بين المرجعية والثقة، وبين الانضباط المؤسساتي والانفتاح الفكري.
من التحصين الداخلي إلى الإشعاع الخارجي
لم يتوقف هذا المشروع عند حدود الداخل، بل تحوّل إلى رافعة للدبلوماسية الدينية المغربية، خاصة في القارة الإفريقية، حيث أصبحت إمارة المؤمنين مرجعية تطلبها العديد من الدول لمواجهة التطرف وملء الفراغ الديني والمؤسساتي.
فالمغرب لا يصدّر نموذجًا مفروضًا، بل يعرض خبرة مؤسساتية وروحية قائمة على الاعتدال والعقلانية. وقد شهدنا كيف أصبحت برامج تكوين الأئمة، والاتفاقيات الدينية، والدروس الرمضانية الملكية، منصات إشعاع حضاري وروحي تُسهم في بناء جسور التفاهم الديني عبر القارات.
التحديات المستقبلية: تجديد داخل الثوابت
رغم ما تحقق، فإن النموذج المغربي يواجه تحديات متجددة، تفرض يقظة دائمة وقدرة على التكيف، ومنها:
مواكبة الثورة الرقمية، وبناء حضور ديني مؤثر ووسطي على المنصات الجديدة.
معالجة التفاوت المجالي في تغطية الشأن الديني، خاصة في المناطق الهشة.
تطوير خطاب ديني يفهم العقل الجديد ويتجاوز الوعظ التقليدي أو الخطاب الفقهي الجاف.
تعزيز تكوين القائمين على الشأن الديني، تربويًا وإعلاميًا وفكريًا.
شرعية تتجدد بالعقد والثقة
في زمن تتزعزع فيه شرعيات الدول وتُختبر فيه التماسكات المجتمعية، يبرز النموذج المغربي بوصفه تجربة فريدة في الدمج بين إمارة المؤمنين والبيعة، فالأولى تمنح الدولة عمقها الروحي والحضاري، والثانية تجدد الثقة بين العرش والشعب في صيغة مغربية خالصة.
إنها شرعية لا تستمد قوتها من السيطرة أو الإكراه، بل من الرضا والتعاقد والتجذر في التاريخ. وبهذا المعنى، فإن المغرب لا يدافع فقط عن أمنه الروحي والسياسي، بل يقدّم للعالم نموذجًا في كيف يمكن للدين أن يكون قوة توحيد، لا أداة للفرقة.
في هذا اللقاء بين الروح والدولة، بين الشرعية التاريخية والبصيرة المستقبلية، يتجلى سر صمود المغرب وفرادته: دولة تسكنها البيعة، ويقودها أمير المؤمنين.