الطلائع الرسالية من الحماس إلى الخيبة

لماذا يختار بعض الأفراد أن يكونوا مجرد أرقام في معادلة يخطط لها الآخرون، بينما يمتلكون القدرة والكفاءة ليكونوا أصحاب إرادة مستقلة؟

قبل سنوات، وعلى هامش ندوة في بيروت، التقيتُ بمناضل قديم أمضى عقوداً في خدمة حزبه. كان جالساً بهدوء في الصفوف الخلفية، بينما قاد المؤتمر شاب لم يكمل عقده الثالث، لا لشيء إلا لأنه الأقرب نسباً إلى "مكتب القيادة". النظرة في عيني الرجل المسن لم تكن غضباً، بل كانت حسرة على عمر ضاع في طوابير الانتظار، ليكتشف أخيراً أنه كان مجرد رقم في مسيرة آخرين.

هذه الحادثة روتينية، وتتكرر كثيراً في أروقة الأحزاب العربية والإسلامية، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا يختار بعض الأفراد أن يكونوا مجرد أرقام في معادلة يخطط لها الآخرون، بينما يمتلكون القدرة والكفاءة ليكونوا أصحاب إرادة مستقلة؟ يردني هذا السؤال كلما تأملتُ في وضعيات الإنسان في حياتنا المعاصرة، وكيف يظهر استسلاماً لا تفسير له.

نظام الطاعة، كما يُمارس في حياتنا اليومية، يبدأ من المدرسة حين يُكافَأ الطفل المطيع ويُعاقَب الجريء على التساؤل، ويستمر مع الخطاب الديني التقليدي الذي يربط الفضيلة بالانقياد لا بالاجتهاد، ويتواصل في المجال السياسي حين يُقاس الولاء بالتصفيق لا بالنقد البنّاء. هكذا تُبنى شخصية الفرد وهو يعتقد أن الطاعة هي أبو الفضائل كلها، وأن النقد خطر على الجماعة.

التاريخ يقدم لنا براهين معاكسة؛ فسقراط عاش حياته يسأل ويشكك، ودفع حياته ثمناً لذلك، لكنه ترك فكرة جوهرية وهي أن الحياة التي لا تخضع للنقد لا تستحق أن تُعاش. أما ابن رشد فقد دافع عن حق العقل في النقد رغم الهجوم، فبقي فكره مؤثراً بينما اندثر خصومه. وصمد نيلسون مانديلا 27 عاماً في السجن ليبرهن أن الحقوق لا تُوهب بل تُنتزع. هؤلاء وغيرهم لم يذوبوا في رموز، بل صنعوا مبادرات تحولت إلى ميراث مشترك.

لكن حين ننظر إلى تجاربنا المعاصرة، نجد الصورة مشوّهة تماماً. فالقومية العربية، التي انطلقت بشعارات التحرر والوحدة، سرعان ما استبدلت مشروع النهضة بهيمنة الحزب الواحد، وحوّل حزب البعث الشعارات الثورية إلى غطاء لقمع إرادة الشعوب. وتأتي تجربة حركات الإسلام السياسي لتقدم نموذجاً أكثر صرامة في تحويل الشعارات إلى أدوات إلغاء؛ فتحت غطاء "الطاعة والثواب"، جرى تدريجياً تحويل الأعضاء من طلائع حاملة لمشروع التغيير إلى مجرد تابعين في تنظيم مغلق.

في هذا السياق، أصبح مصير الكفاءات المؤسسة مأساوياً؛ فالطلائع الذين أمضوا عقوداً في خدمة الجماعة ومنحوها حياتهم كلها، يجدون أنفسهم فجأة تحت إمرة قادة صغار السن يفتقرون إلى الخبرة والحكمة، وأفضل ما يؤدونه هو استنساخ محاضرات وأفكار القائد.

ولتبرير هذا الوضع، استُدعيت حادثة تولية النبي ﷺ لأسامة بن زيد وهو ابن ثمانية عشر عاماً على شيوخ المهاجرين والأنصار. لكن الفارق أن قرار النبي كان استثناءً في سياق محدد، وقوامه الكفاءة، بينما في واقع الحركات الدينية تحولت الحادثة إلى ذريعة لاستبعاد المؤسسين والكفاءات حتى لو انحدر الأداء.

بالمقابل، تبرز تجاربُ الحركات التعاونية في إيطاليا وإسبانيا بسلاسة آليات القيادة التشاركية، حيث يصبح صنع القرار ممارسة يومية، وتتحول الطاعة إلى التزام بمبادئ ومؤسسات راسخة. هنا لا يهيمن القائد على المشروع، بل يبني قواعد تسمح بانتقال القيادة دون تفكك المؤسسة. حينها تصبح الحرية ممارسة جماعية، ويتحول الخيال السياسي إلى إرث مشاع يمتلكه المجتمع بأكمله.

الحرية، في النهاية، مسؤولية شخصية يتحمل فيها الفرد عواقب خياراته، حين يدرك أن المجتمع لا يُبنى من فوق، بل من ملايين الأفراد الذين يشاركون في صناعة المجال العام. فهي اختيار الفرد بين العيش في ظل الآخرين أو أن يكون شمعة تُضيء الطريق للجميع.