أنفاق "قسد"؟!

أنفاق "قسد" ليست مجرد ممرات بسيطة، بل هي مصممة لتكون مدينة كاملة تحت الأرض. فهي مصممة لتكون قوية، وغالبًا ما يتم تعزيزها بالخرسانة لمقاومة الهجمات.

مع تصاعد الحديث عن مستقبل شمال شرق سوريا في ظل الصراع الغامض ما بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ولعبة شد الحبل بين الطرفين عبر تصريحات متناقضة تزيد من الغموض وتفتح الباب أمام تساؤلات جديدة ومتجددة، ووسط كل هذا الصخب الذي يحدث، تكشفت أكثر فأكثر تفاصيل الأنفاق التي حفرتها قسد في مناطقها، مستكملةً ما كانت قد بدأته قبلها وحدات حماية الشعب الكردية (YPG).

بدأ تنفيذ الأنفاق حوالي عام 2014، وكانت وحدات حماية الشعب (YPG) هي القوة الرئيسية المسؤولة عن ذلك. بعد تشكيل قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، وهي تحالف أوسع من الميليشيات الكردية والعربية، تسارع تطوير الشبكة. كان الهدف الأساسي هو إنشاء بنية تحتية دفاعية متماسكة، تربط الأراضي الخاضعة لسيطرتهم وتوفر وسيلة آمنة للتواصل والحركة بعيدًا عن التهديدات السطحية. كان أحد العوامل الرئيسية في تمويل هذا المشروع الضخم هو الإيرادات من حقول النفط والغاز، خاصة بعد عام 2018. ووفقًا للتقارير، استخدم مقاول غير حكومي، بالتعاون مع القوات الكردية، هذه الأموال لبناء الشبكة وتعزيزها، بميزانية تُقدر بأكثر من 4 مليارات دولار. وتم تمويل جزء من أعمال الحفر من قبل الولايات المتحدة من خلال قوافل إمداد قادمة من العراق بحجة دعم تطوير القواعد العسكرية ومواجهة (داعش). كما خُصِّص جزء من الأموال المخصصة لقوات قسد لهذا الغرض.

تتركز هذه الأنفاق الواسعة والمعقدة على ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول: يمتد على طول الحدود التركية شمالًا.

المحور الثاني: يسير على طول الحدود العراقية شرقًا.

المحور الثالث: يمتد على طول خطوط المواجهة مع القوات السورية، خاصة بالقرب من نهر الفرات.

يقع أحد أكثر الأجزاء تعقيدًا في محافظة الحسكة، حيث يربط بين المدن الرئيسية مثل القامشلي، وعامودا، والدرباسية، ومدينة رميلان الغنية بالنفط. ويُعدّ هذا النفق تحديدًا شريانًا لوجستيًا حيويًا، يضمن الاتصال المستمر والسيطرة على المناطق الاستراتيجية.

يمتد جزء آخر مهم من الشبكة من الضواحي الشرقية للحسكة إلى الضواحي الشمالية لحلب، ثم يسير بموازاة نهر الفرات باتجاه ضواحي دير الزور. وتُشكل هذه الشبكة خط الدفاع الأول للمناطق الخاضعة للسيطرة الكردية. وتفيد التقارير أيضًا أن الشبكة تمتد من الحسكة والرقة إلى دير الزور، مما يخلق نظامًا دفاعيًا ولوجستيًا مترابطًا.

هناك أيضًا تقارير، نقلًا عن وكالة سبوتنيك، تفيد بأن القوات الكردية حفرت نفقًا من سنجار في محافظة نينوى العراقية إلى مناطق تسيطر عليها في محافظة الحسكة السورية. ويُعتقد أن هذا النفق يبلغ طوله كيلومترات، ويُستخدم لنقل الأسلحة والإمدادات من إقليم كردستان العراق إلى سوريا.

أنفاق "قسد" ليست مجرد ممرات بسيطة، بل هي مصممة لتكون مدينة كاملة تحت الأرض. فهي مصممة لتكون قوية، وغالبًا ما يتم تعزيزها بالخرسانة لمقاومة الهجمات. وهي كبيرة بما يكفي لمرور المركبات والمعدات الثقيلة. وتؤكد القوات التركية التي عثرت على بعض الأنفاق في مناطق مثل تل رفعت ومنبج أنها كانت بعمق 13 مترًا، وارتفاعها 3 أمتار، وعرضها 2.5 متر. كما تحتوي على فتحات تهوية كل 10 أمتار ونقاط استراحة.

وتشمل البنية الداخلية للأنفاق: غرفًا للراحة والاجتماعات، ومخازن كبيرة للأسلحة والإمدادات، وأنظمة صرف وكهرباء، وأنظمة تهوية، ونقاط مراقبة مزودة بشاشات عرض لمراقبة الحدود التركية باستخدام كاميرات المراقبة.

هذه الأنفاق التي بلغت تكلفتها مبالغ خيالية تُمثل بالنسبة لــ "قسد" مشروعًا استراتيجيًا كبيرًا مع استمرار تصاعد التوترات في المنطقة، وخاصة مع دمشق وتركيا. ولكن الوضع الاقتصادي والأمني والاجتماعي الهش، والقلق الذي ينتاب السوريين في شمال شرق سوريا مما هو آتٍ، بالتأكيد هو الأهم من أنفاق قد لا ترمم قلق الناس ومخاوفهم عندما تدق ساعة الحقيقة.