الوطن كغنيمة

الوطن ليس شركة مساهمة، والمواطن شريك في المصير والمسؤولية، وبعض الأزمات تكشف أن بعض النخب تتعامل مع الوطن كفندق فاخر: يأخذون أفضل الغرف، ويتركون الآخرين يدفعون الفاتورة.

أثار انتباهي سؤال أحد القرّاء تعليقاً على المقالة السابقة (العنصرية في الكويت: الخطر الكامن في بنية الاستقرار الاجتماعي) حول مدى اختلاف العنصرية من مكان إلى آخر، أم هي نظام واحد؟، وبعد شيء من التأمل، وجدت أننا أمام صورتين متمايزتين:

الأولى، تقليدية تقوم على التفوق العرقي أو الثقافي أو الديني، وهي الأكثر شيوعاً في العالم.

أما الثانية، فهي أكثر خفاءً وتعقيداً، ويمكن تسميتها بـ"عنصرية امتلاك الأرض"، وهي تقوم على شعور بعض الأفراد أو الفئات بأنهم المالكون الوحيدون للوطن، وأن حق الانتماء محصور فيهم دون سواهم.

الوطن كغنيمة - هذه العبارة تختزل جوهر المشكلة، حيث يتحول الوطن من قيمة جماعية ترمز للانتماء والتضامن إلى مجرد غنيمة تتصارع عليها القوى المختلفة، وتنشأ هذه العنصرية من وهم الأحقية بالأرض، وغالباً ما تتخفّى خلف الخطابات الوطنية والشعارات البراقة، لكنها في جوهرها تسعى إلى احتكار الوطن وتحويله من فضاء مشترك لجميع أبنائه إلى حقل ضيق تتقاسمه قلة من أصحاب النفوذ.

وهنا تتجلى المفارقة فبينما يدّعي أصحاب هذه الرؤية أنهم يحرسون الهوية الوطنية، فإنهم في الواقع يقتلون روح الوطن بتحويله من كيان حي متنوع إلى ملكية مغلقة، ومن ذاكرة جماعية إلى سجل عقاري، ومن حلم مشترك إلى محفظة استثمارات.

وإذا أردنا أن نرى هذه العنصرية في ممارساتها العملية، فسنجدها واضحة في موقف النخبة التجارية السلبي من قضايا الإسكان وتوزيع الثروة، بحجة "ترشيد الإنفاق"، بينما تضغط في المقابل لتوسيع الدعم لقطاع الأعمال والحصول على أراضٍ صناعية بشروط تفضيلية، حينها ندرك أن التمييز قد بلغ ذروته.

وعندما تصف النخبة التجارية مطالبات الناس بإسقاط القروض بأنها "تبذير للثروة الوطنية"، فيما تمارس الضغط لإسقاط ديونها الخاصة بالقوة والنفوذ، فذلك تجسيد واضح لـ عنصرية تسعى لاحتكار الوطن ومقدراته.

وخلال أزمة كورونا، تجلت هذه المفارقة بشكل لافت، حين ضغطت بنوك وتجار بعض الدول لتأجيل أقساط المواطنين بينما طالبت بحزم إنقاذ بمليارات الدولارات، والأكثر إيلاماً أن هذه النخب الاقتصادية لم تبادر بدعم الدولة في ظروفها الحرجة، بل حولت الأزمة إلى فرصة لتعزيز مكاسبها.

تعتمد هذه الرؤية الاستغلالية على تراتبية اجتماعية جديدة، يتحول فيها الانتماء الوطني من علاقة وجودية إلى معادلة مصلحية. فـ"المواطن الكامل" هو من يملك رأس المال، بينما يُختزل الآخرون إلى مراتب دنيا. وهكذا تتحول المواطنة من شراكة في المصير إلى تصنيف طبقي صارم.

والأخطر أن هذه النخبة باتت تمارس دور "حراس البوابة" التي تحدد من يحق له العبور إلى دائرة المواطنة ومن يُترك خارجها، مستفيدة من قدرتها على اختراق الخطاب العام وتقديم نفسها كرؤية "عقلانية" لإدارة الاقتصاد، بينما هي في حقيقتها إعادة إنتاج لعلاقات القوة القديمة في ثوب حديث.

إن مواجهة هذا النمط من العنصرية تستلزم تفكيك المقولات التي تفرغ الانتماء من مضمونه، فالوطن ليس شركة مساهمة، والمواطن شريك في المصير والمسؤولية، وبعض الأزمات تكشف أن بعض النخب تتعامل مع الوطن كفندق فاخر: يأخذون أفضل الغرف، ويتركون الآخرين يدفعون الفاتورة.

إن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بامتلاك الأرض، بل بحب من يعيش عليها، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سنسمح لهذه العنصرية أن تحوّل الوطن إلى نادٍ مغلق للنخبة، أم سنبني وطناً يحتضن الجميع، وتكون الكرامة الإنسانية فيه هي العملة الأسمى التي لا يطالها التضخّم ولا الاحتكار؟