شعرية التمرد الوجودي وتفكيك ثنائية الألم والخلاص في 'وادٍ غير ذي بوح'

شعر بدرية البدري يمزج الغنائية بالفلسفة الوجودية، محوّلًا الألم إلى فعل إبداعي ومصادر الصمت والوحدة إلى لغة شعرية، مع إعادة تعريف المقدس عبر العشق والتوحد. الديوان.

بداية لا بد منها:

يمثل شعر الشاعرة العُمانية بدرية البدري إضافة نوعية للحركة الشعرية النسائية في الخليج والوطن العربي، إذ يتجاوز الغنائية المباشرة إلى تأسيس خطاب شعري فلسفي وجودي يرتكز على مفاهيم الاكتمال الذاتي، ومصادقة الألم، وإعادة تعريف المقدس عبر بوابة العشق. يحمل الديوان عنوان "وادٍ غير ذي بوح"، وهو عنوان رمزي كثيف يجمع بين دلالة الوادي (المأوى/المنفى) والصمت (اللاحبر)، مما يجعله إعلاناً عن مشروع شعري يقوم على استنطاق المسكوت عنه. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أهم ثيمات الديوان وأدواته الفنية، مع التركيز على آليات الشاعرة في تحويل الجرح (الرصاصة) إلى فعل إبداعي والتوحد إلى حالة تفرد واكتمال.

المحور الأول: شعرية التمرد وإعادة تدوير الألم

1 . "وادٍ غير ذي بوح": العنوان رمزا للصمت الإبداعي

يستعير عنوان الديوان "وادٍ غير ذي بوح" تركيبة قرآنية (وادي غير ذي زرع) ليُسقطها على التجربة الشعرية، فيخلق دلالتين محوريتين:

الفقد والجدب: الوادي في صورته الأصلية يرمز لغياب الحياة والرزق المادي. هنا يرمز لغياب "الزرع" وهو البوح والكلمة الجاهزة، مما يعني أن الشعر ينبع من مساحة صامتة ومفردة لا تخضع لضجيج البوح التقليدي.

الوحدة والعرفانية: هذا الوادي هو مكان التجلي والعبور الروحي؛ إنه حالة التوحد التي تُنتج الشعر، حيث يُصبح الصمت هو اللغة الأعمق.

2. من الرصاصة إلى الحبر: جدلية المصادقة الفنية

تُعد قصيدة "A" في الديوان إعلاناً شعرياً (Manifesto) لمشروعها، حيث يتحول الألم الجذري (الرصاصة) إلى نقطة انطلاق إبداعية وليست نقطة نهاية:

"فرِحتُ كثيراً لأنَّ الحبرَ كانَ يوشِكُ على النفاد... وصادقتُ الرصاصة"

فلسفة الفرح بالنقص: الفرح ليس بالرصاصة ذاتها، بل لأنها جاءت لتعوض نقص الحبر (نضوب الإلهام).

احتواء الخصم: مصادقة الرصاصة هي أقصى درجات التحدي الوجودي؛ حيث يُصبح مصدر الجرح صديقاً ومُلهماً، فتُفرغ المحنة من قُوتها القاتلة وتُستثمر كأداة للخلود والبوح.

3. "لا ما شاءَ حُرّاسي": إعلان السيادة على التاريخ والذات

تُعلي الشاعرة من شأن الذات المتفردة القادرة على صناعة مصيرها، خاصة في قصيدة "لا ما شاءَ حُرّاسي":

التمرد يمتد ليشمل كافة السلطات: الحراس (السلطة)، والتاريخ (الماضي المثقل)، بل وحتى المنطق الرياضي: "وَيضربُ خُمْسَهُ في سَهْوِ أسداسي" \text{[3]}.

تؤكد قصيدة "لسْتُ نِصفا" هذا التمرد عبر رفض ثنائية النقص والاكتمال، بإعلان أن الذات واحدة مُكتملة ترفض أن تكون مجرد جزء أو تابع: "أنا لَسْتُ نِصفاً كي أُحبّكَ نِصفا" \text{[3]}.

المحور الثاني: العشق العرفاني وتفكيك المقدس

1. الحب كـ "مصباحُ النُّبوّات": تأليه التجربة الإنسانية

يُستخدم العشق في شعر البدري كأداة لكسر التقليد الديني والاجتماعي، ليصبح هو ذاته المُقدَّس الجديد:

في قصيدة "مصباح النبوّات"، يتم استبدال الطقوس الدينية التقليدية بتجربة العشق كمنبع لـ "آيات" الهدى: "دِيناً رأى العِشقَ مِصباحَ النُّبوّاتِ" \text{[4]}. هذا انزياح دلالي عميق يضع الحب في منزلة الإشراق والمعرفة العليا.

في قصيدة "ما ارتدَّ لي طَرْف"، يُستدعى التناص القرآني (يوسف وزليخة) لخدمة العشق، حيث ترتقي "زليخة" إلى مرتبة التضحية الصوفية، ويكون الذنب هو الطريق إلى اليقين: "يا يوسفيّ الصَّدرِ هَبني لَمْ أَكُنْ / إلّا زُليخةَ لَمْ تَهِمْ بمُتيّمِ" \text{[5]}.

2. "التوحُّدُ تفَرُّداً": براءة الرؤيا

تعكس الشاعرة رؤيتها للذات عبر صور رمزية، أبرزها صورة الطفل المتوحد في قصيدة "مُتَفرِّدٌ بتوحُّدي":

تتحول حالة التوحد (الاجتماعية) إلى رمز للتفرد الخَلْقي والوجودي. الطفل التوحدي هنا هو الشاعر؛ لأنه يعيش في عالمه الخاص، يرفض الضجيج المصطنع، ويطلب التفهم لا الشفقة: "مُدّوا يَديكُمْ / طوّقوني بالحَنانْ... لا تقطِفوني / اتركوني" \text{[6]}.

المحور الثالث: اللغة والمشهد في مأساة "ما قبل الرحيل"

1. جمالية الكثافة الزمنية والانزياح البلاغي

تعتمد الشاعرة على الكثافة المفرطة في المشهد، كما في قصيدة "الثالثة والنصف ما قبل الرحيل" \text{[7]}. اختيار هذا التوقيت (ما قبل الفجر) يجسد حالة الحافة الوجودية بين اليأس والأمل.

تستخدم الشاعرة الأنْسَنَة والتشخيص ببراعة (العطر أقرض الجراح، النهار يطوي جناحه)، فتتحول الكائنات إلى شخوص تعاني من عجز كوني سببه الفقد البشري: "مَن يُوقِظُ الأزهارَ مِن سَكَراتِها..."، وتنتهي القصيدة بالتكثيف الجارح: "الحزن لا يكفي" \text{[7]}.

2. شعرية الحزن والإنسانية المسلوبة

يتجلى الهاجس الإنساني في الديوان بوضوح، خاصة عبر صوت ضحايا الحرب:

"غَمّازةٌ في الخَدِّ الأيسر": هي تحفة سردية عاطفية، حيث يتم تدمير البراءة عبر تحويل التفاصيل الحميمية (الغمازة، دِفء الأم) إلى ذكريات منسية بفعل اللجوء والتيه: "مَنْ ذا يُقيمُ العُمرَ إذْ سقطَ الجِدارْ" \text{[8]}.

الخلاص في الموت: قصيدة "طريق" (في رثاء رزان النجار) تختتم الديوان برؤية صوفية للموت كـ عبور إلى اليقين والحياة، حيث يصبح الدم المسعف طريقاً للقدس، لتلتقي التضحية الفردية بالقضية الأسمى \text{[9]}.

خاتمة الدراسة

يُثبت شعر بدرية البدري في "وادٍ غير ذي بوح" قدرة فائقة على صهر الذاتي في الكوني، وتشكيل رؤية لا تخشى إعلان التمرد على المألوف، سواء كان في العشق أو في رؤية الألم. هي شاعرة تسعى للاكتمال عبر التوحد مع جرحها، وتؤسس لغة حداثية متماسكة تحول الرصاصة إلى بوح، والصمت إلى مصدر إلهام.


المراجع والهوامش :

1-بدرية البدري، "وادٍ غير ذي بوح"، (الطبعة المعتمدة، المكتب الثقافي والإعلامي للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة، 2018م). الديوان الفائز بجائزة الشارقة الثقافية للمرأة الخليجية.

2-قصيدة "A"، ديوان "وادٍ غير ذي بوح"، بدرية البدري. النص الافتتاحي للديوان.

3- قصيدة "لا ما شاءَ حُرّاسي" و "لسْتُ نِصفا"، ديوان "وادٍ غير ذي بوح".

4- قصيدة "مصباحُ النُّبوّات"، ديوان "وادٍ غير ذي بوح".

5- قصيدة "ما ارتدَّ لي طَرْف"، ديوان "وادٍ غير ذي بوح".

6- قصيدة "مُتَفرِّدٌ بتوحُّدي"، ديوان "وادٍ غير ذي بوح". (قصيدة الإهداء إلى عمر المالكي).

7-قصيدة "الثالثة والنصف ما قبل الرحيل"، ديوان "وادٍ غير ذي بوح".

8- قصيدة "غَمّازةٌ في الخَدِّ الأيسر"، ديوان "وادٍ غير ذي بوح".

9ـ قصيدة "طريق" (في رثاء رزان النجار)، ديوان "وادٍ غير ذي بوح".