هل أفكارنا عظيمة.. لأنها قديمة؟

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الأغلبية تحب الأفكار القديمة لأن الزمن غسلها من غبار الجدل، وصار من السهل تقديسها كعملات نادرة في متحف التاريخ.

قبل أيام، تحدث أحدهم بحماس عن عبقرية الشيخ محمد إقبال وجرأته في تجديد الفكر الديني، لكن حين سألته: «أليس منهج الشيخ فلان المعاصر امتدادًا لهذا الطريق؟» انقلب الحماس إلى تذمر، وانتقص من الرجل، ووصف أفكاره بالعبث واللعب بالدين.

في تلك اللحظة أدركت أننا نعاني من داء عضال في وعينا الجمعي؛ نصنع لرواد الفكر تماثيل ذهبية بعد رحيلهم: محمد عبده في القاهرة، مالك بن نبي في الجزائر، محمد باقر الصدر في العراق، ومرتضى المطهري في إيران. نزين بهم كتبنا ومؤتمراتنا العلمية، لكننا نحاصر كل من يحاول أن يكون امتدادًا لهم.

ويبدو أن المبدع الحي يشبه المرآة التي تكشف العيوب دون مجاملات؛ فهو يحرك المياه الراكدة في بركة الثوابت، بينما الأموات – رحمهم الله – يرقدون في سلام آمنين، نبجلهم لأنهم لن يعترضوا على أفكارنا مهما بدت رديئة.
والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الأغلبية تحب الأفكار القديمة لأن الزمن غسلها من غبار الجدل، وصار من السهل تقديسها كعملات نادرة في متحف التاريخ. وما أسهل التغني بالتاريخ! أما الجديد فيهدد راحتنا الفكرية، ويدين سلوكنا، ويفرض علينا اختبارًا عمليًا، ويلاحقنا بالأسئلة المحرجة.

لذلك نميل إلى تعظيم القديم لأنه رحل. حتى في الفصول الدراسية نعلّم الطلاب أن العظمة وُلدت في الماضي مكتملة وانتهت. ندفن فضولهم تحت ركام الإجابات الجاهزة، ونمنعهم من لمس التراث إلا بمناهج الحفظ والتلقين والتبجيل، تلبية لقاعدة "اسمع ولا تجادل".

قبل 120 عامًا، وتحديدًا في حلب، حوكم المفكر عبد الرحمن الكواكبي بتهمة التآمر مع الأجانب والانحراف الفكري، وصدر حكم بإعدامه شنقًا. ولو لم تُبرّئه المحكمة لاحقًا لكان مصيره الموت شنقًا. وها هو اليوم يُقدَّس كأحد أبرز رموز الإصلاح ورواد النهضة.

في النتيجة، نحن أمام جيل يعرف كل شيء عن شجاعة المصلحين، ويحفظ أسماءهم، ويفتخر بهم، وينسب نفسه إليهم، ويدافع عنهم، وربما يعلّق صورهم في المجالس، لكنه يرتجف إن سأله أحد: كيف نسير على خطاهم؟ أو كيف نكون مثلهم؟

حتى التاريخ نقرؤه كسيرة ذاتية نأخذ منها ما يعزز أفكارنا فقط، ونتجاهل ما يخالفها خشية أن يشوه صورتنا أو يعكر مزاجنا. لاحظوا عندما يظهر صاحب فكرة جديدة كيف يحوله المجتمع إلى خصم في حلبة قبل أن يفهم أفكاره، ويهدم شخصيته قبل أن يستمع إلى وجهة نظره.

في هذا المجتمع، يتحول الخطيب الذي يخرج الغبار من فمه بالكلام المكرر إلى رمز تتهافت عليه الجماهير، بينما الخطيب المفكر الذي يطرح الأسئلة الجزئية تُطلق عليه وابل من الشبهات، وتحاصره الاتهامات، وتتحول منصات التواصل إلى مسالخ لذبح أصحاب الأفكار الجديدة.

هذا الخوف من الأفكار الجديدة، وإن انطلق من نوايا حسنة، إلا أنه مخاوف مبالغ فيها ولا حاجة لها. فالتجديد ليس انقلابًا على التراث، بل صيانة له؛ كعامل ماهر يعيد تشغيل آلة قديمة بدل إلقائها في المتحف.
والمجدّد هو ابن المجتمع الذي يسعى لربط الماضي وتجاربه بحاجات اليوم ومتطلباتها، كجسر بين عبقرية الماضين وحاجات المعاصرين. وصدق السيد جمال الدين الأفغاني حين قال "لو كان تقليد السلف فضيلة لصار الببغاء أفضل من البشر".