مقاييس الله ومقاييس السوق: أين يسكن الدين؟

الدين حين يتحول إلى جسر بين المقدّس واليومي، تصبح قيمه حاضرة في الخبز والدواء والتعليم، لا في الشعارات فقط.

تثير مسألة حضور الدين في المجال العام سؤالًا يتجاوز صورة التدين في السلوك الفردي إلى أثره في بناء السياسات التي تنظم حياة المجتمع. فالقيم الدينية لا تُقاس بوفرة الشعائر أو ارتفاع عدد المؤسسات الدينية، بل بقدرتها على إنتاج منظومات عدالة تحمي الإنسان، وتوازن بين الحقوق والواجبات، وتربط الإيمان بوظائفه الاجتماعية والاقتصادية.

أتذكر أني قرأت مرة عن قصة الحاج عثمان، وهو رجل بسيط من إحدى قرى اليمن يعمل في تصليح الأحذية. وقف بعد خطبة الجمعة وقال للإمام "يا شيخ، خطبتك ما تُشبع بطنًا ولا تداوي ألمًا… إيش بيأكل الجوعان؟ بيأكل دين؟".

كانت الجملة ذات وقع كبير، لكن الإمام لم يغضب، ولم يطرد الرجل من المسجد، ولم يتهم دينه بالضعف، وإنما استمع له باهتمام، وتفهم وجهة نظره في انتشار البطالة والفقر. وخلال أيام، تعاون مع رجال القرية وحوّلوا المسجد إلى ورشة لتدريب البسطاء على حرف بسيطة لمواجهة أعباء الحياة.

هذه القصة تذكرنا بأن الدين حين يتحول إلى جسر بين المقدّس واليومي، تصبح قيمه حاضرة في الخبز والدواء والتعليم، لا في الشعارات فقط. فنحن نقترب من جوهر الرسالة عندما تتحول الأفكار إلى حلول، والوعظ إلى فعل.

لكن دعونا نعترف أن المشكلة ليست مجرد تقصير فردي، بل خلل أعمق يتعلق بتصورنا لوظيفة الدين. فحين تمتلئ صناديق التبرعات بالمساجد بينما بيوت جيران المسجد تكاد تتداعى على رؤوسهم، فإن قيم الدين لم تُحرّك مشاعر القائمين على التبرعات، وإنما سيطرت على نفوسهم مقاييس السوق.

وهكذا عندما يتحدث الخطيب عن العدل الاجتماعي وهو محاط بوجهاء بنوا ثروتهم على حساب حقوق العمال، أو عندما يغلق صاحب المستشفى الفاخر أبوابه في وجه المحرومين، أو عندما يطرد ملاك المدارس الخاصة أبناء الفقراء والمعدمين، فإن المواعظ الأخلاقية التي يلقيها خطباء الدين لم يكن لها أثر في سلوكهم.

هذه المظاهر هي نتيجة مباشرة لتحويل الدين إلى طقس منفصل عن حياة الناس. فالدين الذي لا يتحول إلى منظومة عمل قابلة للقياس والمساءلة يبقى داخل المسجد، بينما تغيب قيمه عن السياسات التي تنظم حياة البشر. ويتحول الوعظ إلى نشاط تجاري مستقل عن تهذيب الاقتصاد والتعليم والصحة.

ولا أنسى حين دُعيت لحضور مؤتمر قبل سنوات في أحد أشهر فنادق الدول العربية، بحضور جمع من رجال الدين. وكانت إحدى الأوراق تتناول موضوع "الزهد في الإسلام: المفهوم والمنهج والواقع"، بينما مظاهر البذخ المصاحبة للمؤتمر تكفي لإطعام عشرات "الأسر المتعففة". لم يكن المشهد خطأً تنظيميًا، بل دليلاً على خلل عميق في فهم وظيفة الدين.

وقبل أيام، قال لي أحدهم إن المسجد الذي يعكفون على بنائه سيحتاج إلى ملايين الدنانير حتى يكتمل. ولما اندهشت من ضخامة المبلغ، برّر ذلك بأنه سيكون "ثاني أكبر مسجد في الدولة". وهو طموح مشروع، لكنه يدفعنا للتساؤل: هل هذه التكلفة الضخمة هي لتحقيق الوجاهة الشخصية أم لرضا الله؟ إن كان لله، فهل رضاه يتحقق ببناء أكبر أو أفخم مسجد، أم ببنائه بسعر معقول وتوجيه بقية المبلغ لبناء وحدات سكنية للمحتاجين؟

نعود لسؤال المقال: أين يسكن الدين؟ الجواب بالتأكيد ليس في المآذن العالية، ولا في الخطب الباردة، ولا في المؤتمرات الباذخة، وإنما يسكن في الضمير عندما يختار الإنسان الصدق ولو لم يره أحد، وفي الطبيب الذي يقدم خدمة لمن لا يملك المال، وفي المعلّم الذي يعمل بإخلاص لأن المعرفة حق للجميع، وفي عامل يحترم مهنته لأنها جزء من قيمته. فالقضية ليست أين نصلّي، بل ماذا نصنع بالصلاة عندما نخرج من المسجد.