خطابات الكراهية والترويع ومستقبل العيش المشترك في سوريا
كيف تنقلب السياسة في سوريا من مساحة لإدارة الاختلاف إلى ساحة تعبئة وكراهية؟ متى صار الخلاف السياسي وقودًا دائمًا للتحريض، ومتى تحوّلت اللغة العامة من أداة فهم إلى وسيلة تخويف واستقطاب؟ من المستفيد من تحويل المجتمع إلى معسكرات متقابلة، ومن دفع الناس إلى الارتياب المتبادل، ومن تصوير التنوّع بوصفه خطرًا دائمًا لا حقيقة اجتماعية راسخة؟
ما يجري اليوم في الخطاب السياسي والإعلامي السوري يكشف أزمة عميقة في فهم السياسة بوصفها ممارسة عقلانية وأخلاقية. فالتجييش المتصاعد، واللغة المنفلتة، وتكريس خطاب التخوين، وغيرها من الممارسات غير المسؤولة، تعكس عجزًا عن إدارة الخلاف، وتدلّ على ميل واضح إلى استبدال النقاش بالضوضاء، والحجّة بالصراخ، والتفكير بالتعبئة. هكذا يجري التعامل مع المجتمع باعتباره مادة قابلة للشحن، لا شريكًا في بناء المعنى والمستقبل.
الخلاف السياسي ظاهرة طبيعية في أي مجتمع حيّ، وهو شرط من شروط الحيوية العامة. غير أن ما يتجاوز الخلاف إلى التحريض يصبح مشكلة بنيوية. وحين تُستدعى الوقائع خارج سياقها، وتُحمَّل الكلمات شحنات انفعالية، ويُعاد توجيه الغضب الشعبي نحو فئات أو جماعات، تفقد السياسة وظيفتها، ويتحوّل المجال العام إلى ساحة فرز أخلاقي زائف، تُكافَأ فيه الحدّة، ويُعاقَب فيه التفكير الهادئ.
في هذا المناخ، تظهر التيارات المتشدّدة في مختلف الأطراف: تشدّد قومي، أو ديني، أو أيديولوجي، يتغذّى من الخوف والذاكرة المجروحة، ويستند إلى يقينيات مغلقة ترى العالم في ثنائيات حادّة. هذه التيارات، على اختلاف شعاراتها، تتقاطع عند منطق واحد: اختزال الإنسان في هوية صلبة، وتجريده من تعقيده، وتحويله إلى صورة نمطية قابلة للإدانة. التشدّد هنا ليس تعبيرًا عن قوة، بل علامة هشاشة، ونتاج فراغ سياسي وأخلاقي.
غير أن وجود المتشدّدين لا يمكن التعامل معه كقدر محتوم، ولا كذريعة للتنصّل من المسؤولية. هنا تبرز مسؤولية السلطة بوصفها الجهة المعنيّة بتهدئة المخاوف، وضبط الخطاب العام، ومنع انزلاق المجتمع إلى مزيد من الاستقطاب. تُقاس القدرة السياسية للسلطة بمدى نجاحها في خفض منسوب التوتّر، وفتح مساحات آمنة للنقاش، وحماية التنوّع، لا بمدى قدرتها على استثمار الانفعالات أو غضّ الطرف عن التحريض.
وحين تُترك الساحة لشبيحة الإعلام، ولخطابات التشهير والتخوين، تتحوّل الدولة من إطار ضامن إلى طرف في الصراع الرمزي. فالإعلام، الذي يُفترض أن يشرح الواقع، ويضع القضايا في سياقها، ويخفّف حدّة القلق العام، يغدو ماكينة تعبئة تلهث وراء الإثارة، وتعيد إنتاج المخاوف، وتُطبع العنف الرمزي بوصفه ممارسة يومية. وفي مثل هذا المناخ، تُفرَّغ القيم من معناها، وتتحوّل الشعارات الوطنية والإنسانية إلى أدوات استهلاكية.
المفارقة أن هذا التجييش يترافق غالبًا مع خطاب معلن عن الوحدة والانسجام والتآخي؛ كلمات كبيرة تُقال في الخطب والمناسبات، وتغيب في الممارسة اليومية. وحين تُستخدم لغة الإقصاء بالتوازي مع لغة الوحدة، تفقد الكلمات صدقيتها، ويغدو الخطاب العام مساحة نفاق سياسي لا مرجعية أخلاقية. فالوحدة التي تُبنى على التخويف، وعلى إسكات الأسئلة، وعلى شيطنة الاختلاف، تبقى هشّة وقابلة للانفجار عند أول اختبار.
ويزداد الأمر خطورة حين يُقترن هذا الخطاب بسوء فهم للمفاهيم السياسية، أو بتشويه متعمّد لها. فأي نقاش حول أشكال إدارة الحكم، أو توزيع الصلاحيات، أو صيغ الشراكة، يُدفع سريعًا إلى خانة الاتهام. تُنتزع المفاهيم من سياقها التاريخي والقانوني، وتُرمى في سوق الشعبوية، حيث تتحوّل إلى أدوات ترويع. وهكذا يُغلق باب التفكير، ويُمنَع المجتمع من طرح أسئلة مشروعة حول مستقبله.
سوريا الخارجة من حرب مدمّرة لا تحتمل مزيدًا من التجييش. بلد أنهكته الخسارات، وتآكلت ثقته بالمجال العام، يحتاج خطابًا يرمّم، لا خطابًا يجرح. يحتاج سياسة ترى في التعدّد حقيقة تاريخية واجتماعية، ومصدرًا للتوازن، لا عبئًا يجب التخلّص منه. فالعرب والكرد والسريان والآشوريون، والمسلمون والمسيحيون، والدروز والإيزيديون وغيرهم، شكّلوا معًا نسيج هذا البلد، وأي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة محكوم بإعادة إنتاج العطب.
التخفّف من أحقاد الماضي شرط لأي أفق قادم. فالماضي في سوريا مثقل بالعنف والانتهاكات، غير أن تحويله إلى ذخيرة يومية يمنع التعافي. المجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج شجاعة مواجهة الذاكرة ووضعها في سياق العدالة والمساءلة، لا استثمارها في التحريض. فالذاكرة التي لا تُراجع تتحوّل إلى عبء، وتغدو وقودًا دائمًا لصراعات مؤجّلة.
سوريا اليوم في مرحلة انتقالية حسّاسة، تُختبر فيها أخلاق السياسة قبل برامجها. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح مسؤولية السلطة مضاعفة، ومسؤولية الإعلام مضاعفة، ومسؤولية النخب مضاعفة. المطلوب خطاب يخفّف حدّة الخوف، ويعيد الاعتبار للحوار، ويضع الإنسان في مركز السياسة. ومن دون ذلك، ستبقى الكراهية تؤدّي وظيفتها اليومية، وسيظل المستقبل مؤجّلًا.
يبقى السؤال الأخلاقي مفتوحًا: كيف يمكن لمجتمع أن يتقدّم، بينما يُعامَل الاختلاف كتهديد، ويُستثمر في التشدّد بديلًا عن السياسة، وتُترك اللغة نهبًا لمن يحوّلها إلى أداة قسوة؟ الجواب يبدأ باستعادة السياسة بوصفها مسؤولية، لا مهنة كراهية، وباستعادة الخطاب العام بوصفه مساحة تعايش، لا ساحة تصفية حسابات.