الهوية المعلّقة: قراءة وطنية في ملف البدون
تبرز إشكالية البدون في الكويت، وهم فئة "غير محددي الجنسية"، عبر تناقض بنيوي حاد بين مستويين: مستوى النص القانوني الذي يعرّف الجنسية ويحدّد شروطها بدقة، ومستوى الواقع الاجتماعي التاريخي الذي شهد تشكّل وتجذّر مجتمعات كاملة نمت وعاشت داخل الحيّز الجغرافي والسيادي للدولة. هذا التناقض أنتج "هوية معلّقة" لها حضور اجتماعي مكتمل في الواقع، لكنها غائبة عن الاعتراف القانوني.
ويُشكّل استمرار هذه الثنائية قلقًا حقيقيًا، إذ يحوّل الملف إلى "نص مفتوح" قابل للتأويل السياسي. وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة، ينبغي قراءة هذا الملف والتعامل معه من منظور الشعور بالمسؤولية، فاستمرار الأزمة يقدّم مادة جاهزة للانتقادات الدولية، وهو ما يجعل حلّ الملف "استثمارًا وطنيًا" ناجحًا تتجاوز أرباحه البعد الإنساني إلى حماية السيادة الوطنية من الاختراق الناعم.
وتبرز هنا فكرة محورية، تتمثّل في القدرة على تحويل ملف "أبناء البدون" من عبء ثقيل على الدولة إلى "أصول بشرية بنّاءة". إن معالجة هذا الملف باحتراف تتمّ عبر تفعيل ثلاثة أدوار أساسية في إطار مشروع وطني تكاملي:
أولًا: الدور الحكومي – الإرادة السياسية والتطوير القانوني الذكي
يتطلّب الأمر هنا إرادة حكومية تُرجّح كفّة تحويل البدون من عبء إلى إضافة. هذه الإرادة تحتاج إلى قراءة جريئة للنص القانوني، تراعي البُعدين التاريخي والاجتماعي، دون تفريط بالضوابط السيادية.
ويمكن تحقيق ذلك عبر آليات مثل إقرار معايير موضوعية ومحدّدة زمنيًا لمن يستحق التجنيس، يرافقها قانون ضامن يمنح حقوقًا كاملة (مدنية واجتماعية واقتصادية) لمن لا تنطبق عليهم معايير التجنيس. هذه القراءة التصالحية ليست تهديمًا للقانون، بل هي "تطوير واعٍ" له ليكون أداة استقرار واستيعاب.
ثانيًا: دور القطاع الخاص – المسؤولية التاريخية والشراكة الوطنية
يواجه القطاع الخاص مساءلة تاريخية وأخلاقية، تفرض عليه الانتقال من دور المتفرّج إلى دور الفاعل الأساسي في البناء الاجتماعي. فالتحديات المجتمعية المتصاعدة، وخصوصًا ما يتعلّق بتماسك النسيج الاجتماعي، لم تعد مسؤولية الحكومة وحدها، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لجدوى الشراكة الوطنية وجدارتها.
إن تجاوز الخطاب التقليدي حول البدون، القائم على نظرة "التهديد الديموغرافي"، إلى خطاب "الاستثمار في التماسك الاجتماعي"، يُمثّل نقلة نوعية في فلسفة المسؤولية الاجتماعية، بما يتطلّبه ذلك من تصميم وتنفيذ برامج مستدامة موجّهة لهذه الفئة.
هذا التحوّل الاستراتيجي لن يُحمّل القطاع الخاص أعباءً فحسب، بل يمنحه فرصة لتعزيز شرعيته المجتمعية، وبناء رأس مال اجتماعي وسياسي متين، ويحوّل التجّار من "لوبي أزمة" إلى "لوبي حل".
ثالثًا: دور المؤسسات الخيرية – المراجعة المنهجية والخريطة الأخلاقية
تتطلّب المرحلة الحالية مراجعة عميقة لخرائط العمل الخيري، تقودها مبادرات ذاتية نابعة من إحساس بالمسؤولية المجتمعية. فثمّة حاجة ملحّة لإعادة موازنة الأولويات بين البُعدين الخارجي والداخلي، حيث يكشف الواقع عن فجوة صارخة بين تدفّق الموارد إلى خارج الحدود، والمعاناة اليومية الملحوظة لكثير من الأسر، ولا سيما من فئة البدون. هذا الواقع يصطدم مع الإرث الأخلاقي والاجتماعي الذي يجعل تلبية "حاجة الجار" و"سدّ خلل المجتمع" في صميم القيم الإنسانية والوطنية.
إن المبادرة الطوعية من قبل هذه المؤسسات لإعادة توجيه جزء كبير من تبرّعاتها نحو القضايا التنموية والتعليمية والصحية الداخلية تعكس نضجًا مؤسسيًا وارتقاءً بفكرة التكافل. وهذا التحوّل لا يخدم الاستقرار الوطني فحسب، بل يعيد للمؤسسات الخيرية مصداقيتها المجتمعية ويجعلها شريكًا حقيقيًا في صناعة المستقبل.
إن معالجة ثنائية النص والواقع في قضية البدون تمثّل محكًا لذكاء الإدارة الحكومية وقدرتها على تحويل التحديات المعقّدة إلى فرص استثنائية، وهي في الوقت ذاته فرصة تاريخية للقطاع الخاص لإثبات حرصه على دعم الجبهة الداخلية كشريك تنموي حقيقي. وفي عمقها، هي عملية بناء لمواطنة متكاملة تؤسّس لقوة داخلية صلبة، تكون السند الحقيقي للدولة في تبنّي مواقفها المبدئية والدفاع عن مصالحها على الساحتين الإقليمية والدولية.