صلاح جاهين.. فيلسوف العامية

لقد رحل جاهين قبل أن يرى العالم وهو يتحول؛ رحل وهو يظن أن 'الدنيا ربيع والجو بديع'.

في تاريخ الإبداع المصري، يظل صلاح جاهين حالة صعبة التكرار؛ فهناك نوع من البشر تنجذب إليهم الأرواح والعقول.

صلاح جاهين كان من هؤلاء. وبعيدًا عن الديباجة التي تخبرك أنه وُلد في شبرا في ديسمبر عام 1930، ورحل في أبريل 1986، دعونا نتحدث عن الذي نعيشه نحن الآن، والذي فاته هو!

تخيّل لو أن صلاح جاهين يعيش بيننا الآن في عصر الإنترنت والسوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي و"تيك توك" و"ريلز". هل تتخيل "جاهين" وهو يُلقي "الرباعيات" في فيديو 15 ثانية مع موسيقى؟ أو هل تتخيل رسوماته ومقالاته التي هزّت مصر وهي تُنشر "كوميكس" على فيسبوك؟

لا تتخيل؛ لأن الـAI حوّل هذا الخيال إلى واقع، والإبداع الذي كان يستغرق وقتًا وجهدًا وخبرة ووعيًا أصبح الآن في متناول أي طفل على هاتفه ببرامج الـAI.

الحقيقة أن سر استمرار جاهين هو "السهل الممتنع"، وهو نوع من السحر انتهى مع ظهور الـAI. جاهين كان يكتب القصيدة، فتظن أنك تستطيع كتابتها وأنت تشرب الشاي، ثم تكتشف أنك تحتاج إلى حياة كاملة لتصل إلى هذا الصدق والإحساس.

كان جاهين يمتلك القدرة على الاقتراب من الناس والتعبير عنهم.

في أفلامه مثل "خلي بالك من زوزو"، لم يكن يكتب قصة فتاة جامعية تعيش في ظلم المدينة فحسب، بل كان يبيع لنا فرحة في زجاجات مُعتّقة، نفتحها كلما ضاقت بنا الحياة.

وفي "الزوجة الثانية"، كان يشرّح ظلم المجتمع الريفي بمشرط من السخرية!

أما عن نشأته، فقد تنقّل بين أقاليم مصر كأنه يجمع "الخلطة السرية" للشخصية المصرية من الريف والحضر والصعيد، ثم وضعها كلها في "الليلة الكبيرة"؛ ذلك الأوبريت الذي يثبت أننا شعب يعشق "الزحمة"، وأن منطق الدوشة والصوت العالي هو لغة التفاهم.

بساطة فنه هي سر بقائه.

لقد رحل جاهين قبل أن يرى العالم وهو يتحول؛ رحل وهو يظن أن "الدنيا ربيع والجو بديع"، ولو رأى حالنا اليوم حيث تحوّل الإنسان إلى آلة تعمل في المصانع والمزارع والمكاتب بالساعات، بينما أجهزة وتقنيات الذكاء الاصطناعي هي التي تنتج الثقافة، وتشكل الوعي، وتمارس الفن والإبداع من تعليم وتأليف وكتابة ورسم وإخراج، لربما أضاف رباعية أخيرة حزينة يرثي فيها الإنسانية، ويرفض ظلم الـAI لأخيه الإنسان!

يا سادة، نحن لا نحتفل بجاهين لأنه فنان شامل، نحن نحتفل به لأننا نحتاج إلى تلك الجرعة من "الإنسانية" التي فقدناها في زحام السوشيال ميديا.

ومن رباعيات جاهين:

"أنا شاب لكن عمري ألف عام

وحيد لكن بين ضلوعي زحام".

"في ناس بنشوفها بالألوان

وناس جواها مش بيبان

وناس أسود وناس أبيض

وناس محتاجة بس أمان".

رحم الله صلاح جاهين، فقد كان يعرف "سر الخلطة المصرية"، وعجبي!