كيف لطلب العفو عن نتنياهو أن يعيد رسم معالم السياسة الإسرائيلية؟
إن طلب العفو الرئاسي الذي قدّمه بنيامين نتنياهو ليس مجرد إجراء قانوني عارض، بل هو بمثابة "اعتراف سياسي" صريح. فهو يقرّ بما جادل به النقاد طويلًا: أن السياسة في إسرائيل لم تعد تتمحور حول الحوكمة أو السياسات العامة أو التوجّه الوطني، بل باتت تُسخّر بشكل متزايد لضمان البقاء الشخصي لرجل واحد.
وسواء قُبل هذا الطلب أو رُفض، فإن المسألة تظل ثانوية؛ إذ إن مجرد تقديم الطلب يمثل تحوّلًا حاسمًا في آليات ممارسة السلطة داخل الدولة العبرية.
الدولة كدرع شخصي
من خلال سعيه للحصول على العفو وهو لا يزال في سدّة الحكم، يكون نتنياهو قد تجاوز خطًا ديمقراطيًا فاصلًا، فهو لم يعد يدافع عن نفسه كمواطن أمام القانون، بل بات يستخدم سلطة الدولة للإفلات من سلطة القانون.
إن هذه الخطوة تعيد صياغة السياسة الإسرائيلية عبر ترسيخ مبدأ جديد "النفوذ السياسي يمكن استخدامه لتحييد المساءلة القانونية". وبذلك يتحوّل مكتب رئيس الوزراء من أمانة عامة إلى "خندق دفاعي"، وتصبح الحوكمة مجرد أداة للمماطلة والضغط والبقاء. إن هذا لا يمتّ للقيادة بصلة، بل هو "اختطاف للمؤسسات".
الانتخابات كضمان قانوني
يوضح طلب العفو الوظيفة الحقيقية للانتخابات في عهد نتنياهو؛ فهي لم تعد تدور حول خيارات الشعب، بل حول نيل الحصانة القانونية عبر الهيمنة السياسية. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى خسارة السلطة كإجراء ديمقراطي روتيني، بل كتهديد وجودي، والفوز لا يعني تفويضًا للحكم، بل درعًا ضد المحاكمة.
هذا المنطق يلوّث التنافس الديمقراطي ويدفع بالسياسة نحو أزمة دائمة، حيث تصبح كل جولة انتخابية معركة حول "مدى انصياع القانون"، لا حول البرامج والسياسات.
سيادة القانون "المشروطة"
لا يمكن للديمقراطية أن تستمر عندما ينحني القانون أمام الشخصية الأكثر نفوذًا. إن رسالة نتنياهو للإسرائيليين هي أن العدالة قابلة للتفاوض، والتوقيت مرن، والعواقب اختيارية لمن يسيطر على النظام لفترة كافية. وحتى في حال عدم نيل العفو، فإن الرسالة بحد ذاتها مدمّرة؛ إذ يتم تقزيم المحاكم من مرجعية أخيرة إلى "عقبات"، وتُصوَّر الإجراءات القانونية كمضايقات سياسية. وهكذا تفقد سلطة القانون هيبتها، ليس عبر التشريع، بل عبر التحدي المتكرر من قمة الهرم.
جرّ المؤسسات إلى صراعات شخصية
باتت رئاسة الدولة، التي يُفترض أن تتعالى على الصراعات الحزبية، منساقَة اليوم إلى معركة نتنياهو القانونية الخاصة. فأي قرار سيتخذه الرئيس سيُفسَّر كتموضع سياسي، مما يجعل الحياد أمرًا مستحيلًا. هذا التسييس القسري يضعف إحدى مؤسسات الاستقرار القليلة المتبقية في إسرائيل، وهو نمط ساد بالفعل في القضاء وإنفاذ القانون والخدمة المدنية؛ حيث لا يتم تفكيك المؤسسات صراحة، بل تُفرَّغ من مضمونها وتُجبر على خدمة أجندات شخصية.
وهذا هو المسار الفعلي لتآكل الديمقراطية.
الاستقطاب كمنهج للحكم
صُمّم طلب العفو لإذكاء نار الانقسام، فهو يقتات على رؤية ثنائية للعالم: "مؤيدون مقابل أعداء"، و"ولاء مقابل خيانة"، و"قائد ضد نظام". وهذا ليس وليد الصدفة، فالاستقطاب لم يعد نتيجة للصراع السياسي، بل صار هو الاستراتيجية بحد ذاتها. فالمجتمع المنقسم يعجز عن محاسبة قادته، والأزمات المستمرة تخلق حالة من التعبئة الدائمة التي تبرّر بدورها البقاء الدائم في السلطة.
يتم إعادة تشكيل السياسة الإسرائيلية إلى ساحة معركة، حيث التسوية هي الضعف، وضبط النفس هو الاستسلام.
الولاء بديلًا عن المسؤولية
في داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية، بات الولاء لنتنياهو يطغى على الولاء للقانون أو الأخلاق أو المصلحة العامة. فأصبح الوزراء والمشرّعون يُقوَّمون بناءً على استعدادهم للدفاع عن "الزعيم"، لا على كفاءتهم. هذا التحوّل يحوّل الأحزاب السياسية إلى "شبكات حماية"، والدولة إلى "ملاذ"، حيث يحلّ الانتماء محل المساءلة، ويصبح الصمت سبيلًا للنجاة.
مخطط خطير للمستقبل
لعل الأثر الأعمق لخطوة نتنياهو يكمن في السابقة التي ترسيها؛ فالزعماء المستقبليون يراقبون عن كثب. والدرس المستفاد واضح: "تمسّك بالسلطة لأطول فترة ممكنة، هاجم المؤسسات بشراسة، وصوّر المساءلة كاضطهاد، وسوف يرضخ النظام في النهاية". هكذا تنهار الديمقراطيات دونما انقلاب عسكري، بل عبر "تطبيع الانتهاكات".
الخلاصة: ديمقراطية تتمحور حول فرد
يبلور طلب العفو حقيقة لم يعد بإمكان إسرائيل تجاهلها؛ وهي أن السياسة قد حُرفت عن مسارها العام لتخدم النجاة الشخصية، ولم تعد السلطة في خدمة القانون، بل صار القانون في خدمة السلطة. إنها ليست أزمة نتنياهو فحسب، بل هي مفترق طرق سياسي لإسرائيل؛ فإذا ساد هذا المنطق، فإن إسرائيل لن تتخلى عن الديمقراطية شكليًا، بل ستفرغها من معناها، وحينها ستصبح استعادة المساءلة أصعب بكثير من الحفاظ عليها.