'متاهة إبليس': حين يصبح الوعي سجنا والشك طريقا
بينما نغوص في "متاهة إبليس" للدكتور برهان شاوي، نجد أنفسنا أمام تجربة سردية تتجاوز حدود الرواية التقليدية لتصبح متاهة معرفية ونفسية وفلسفية، تضع القارئ في مواجهة وجودية مع ذاته ومع العالم من حوله. ليست هذه الرواية مجرد حكاية عن بغداد ودمشق أو عن الشرق والغرب، إذ هي لوحة معقدة لوعي الإنسان المتأرجح بين الرغبة والخوف، بين الحرية والقيود، بين الخير والشر، بين الواقع والخيال. وفي هذا السياق، يتحول النص إلى مرآة تعكس الحالة الإنسانية بكل تناقضاتها وتعقيداتها.
ويمكن القول إن "متاهة إبليس" تجسد عمليا حدس فريدريش نيتشه بأن في عمق أشدّ الشتاءات قسوة يمكن أن يظل هناك صيف داخلي لا يُقهَر؛ فهي تكشف عن "صيف" العقل الباطن في مواجهة الشتاء الخارجي للعنف والاضطراب. غير أنها لا تكتفي بأن تؤكد حدس نيتشه فحسب، بل تبدو وكأنها تتحاور معه نقديا؛ فهي من جهة تُظهر هذا الصيف الداخلي المقاوم، لكنها من جهة أخرى تكشف هشاشته حين يصطدم بآلة التاريخ والسياسة والطائفية. فهل الإنسان في عالم شاوي قادر حقا على الحفاظ على هذا الصيف النيتشوي، أم أن المتاهة الخارجية تفرض عليه شتاء دائما لا يمكن الفكاك منه؟ وهل المتاهة التي يرسمها شاوي متاهة يمكن الخروج منها فعلا، أم أنها شرط للوعي ذاته، بحيث لا يولد الفهم إلا داخل الضياع؟
من اللحظة الأولى، يدرك القارئ أن برهان شاوي مؤلف ينسج شبكة من التجارب النفسية والاجتماعية والسياسية التي تتفاعل مع بعضها، بحيث يغدو النص أكثر من مجرد سرد. إنه تجربة تأملية في معرفة الإنسان ذاته، وفي فهم تأثير القوى الخارجية -السياسية، الاجتماعية، الطائفية- على تشكل الوعي والهوية. هنا تظهر الطبيعة البالغة التعقيد للشخصيات، التي تتسم بالشك المستمر، بالفضول الوجودي، وبالرغبة في مقاومة الفوضى، وهي خصائص تجعلها أقرب إلى المرآة التي يمكن أن يرى القارئ نفسه فيها، مع اختلاف الظروف والبيئة. ومن زاوية فلسفية، أشار سارتر في الوجود والعدم إلى أن الإنسان "محكوم عليه بأن يكون حرا"، وشخصيات شاوي تدرك هذا الحكم وتتصرف ضمنه، محاولة أن تجد طريقها في عالم مليء بالعنف والاضطراب.
ومع ذلك، فإن الرواية لا تتبنى حرية سارتر بوصفها مطلقة أو مجردة؛ فهي تكشف حدود هذه الحرية حين تُحاصر الشخصيات بالعنف والطائفية والسلطة والخوف. فهل تؤكد متاهة إبليس فعلا أطروحة سارتر عن الحرية الجذرية، أم أنها تُظهر أن الحرية في سياق الخراب ليست سوى إمكانٍ هشٍّ دائم التهديد؟ هنا يبدو أن شاوي لا يلغي سارتر، لكنه يعيد اختبار فلسفته داخل مختبر واقعي قاسٍ.
ليست الحوارات الداخلية والخارجية، والمونولوجات الذاتية، مجرد وسيلة للسرد، إنما آلية فلسفية تكشف عن الصراعات الكبرى داخل النفس البشرية. فحواء الكرخي، على سبيل المثال، ليست ضحية للظروف السياسية والاجتماعية فقط، لكنها انعكاس لصراع الإنسان المستمر مع ذاته: بين الرغبة في النجاة وبين الشعور بالذنب، بين المقاومة والانكسار، بين حب الحياة وحتمية مواجهة الموت والخراب. وفي المقابل، تمثل حواء ذو النورين الإنسان الذي يتحمل أعباء الماضي، ويحاول استعادة ذاته وسط اضطراب العالم، وهي بذلك تصير رمزا للمقاومة الداخلية، للوعي الذي يسعى إلى إدراك أبعاده، مهما كانت تكلفة ذلك. ويُستدعى هنا ما تلمّح إليه فرجينيا وولف في إلى منزل الطفولة: "الروح الإنسانية غرفة لا يضيء فيها سوى الضوء الداخلي"، وهو ما يجعل شخصيات شاوي تتوهج بهذا الضوء الداخلي وسط الظلمات الخارجية.
وفي هذا الإطار، يمكن استدعاء الشعر العالمي لتوسيع الأفق النفسي للشخصيات؛ إذ يعكس هواجسها الداخلية ما عبّر عنه تي إس إليوت في الأرض اليباب عن الانكسار والضياع، وما عبّر عنه ريلكه في رسائل لشاعر شاب عن الألم والجمال والوعي بالذات، وكذلك بودلير في شعوره بالغربة الداخلية، وروبرت فراست في صراعه مع طبيعة النفس والوجود. تمنح هذه الإشارات الأدبية النص طبقة إضافية من الحساسية النفسية وتزيد من عمق الصراع الداخلي للشخصيات.
الرواية، بهذا المعنى، لا تقدم الواقع على أنه ثابت، لكنها تعرضه كسلسلة من الأحداث المتشابكة التي تتداخل فيها الحقيقة بالخيال، والفنتازيا بالواقعية. وهذا المزج بين الواقعي والغرائبي ليس زينة سردية فحسب، إنما طريقة لفهم كيف يمكن للإنسان أن يعيش الواقع المروع للعنف والفساد والانتهاكات، وكيف يمكن للخيال أن يكون وسيلة للهروب والنجاة النفسية، وأداة لتجاوز القيود التي تفرضها الظروف القاسية. ويُستحضر هنا ما قاله رولان بارت في متعة النص، إذ إن النص الجيد يجعل القارئ شريكا في عملية البناء؛ وبالمثل، يجعل شاوي القارئ يتقاطع مع النص ويصبح مساهما في فهم الواقع والمعنى.
ولا يمكن إغفال البنية الفلسفية العميقة للرواية، التي تجعل الشك محورا رئيسيا في التجربة الروائية. تقول حواء ذو النورين: "الحقيقة متاهة… متاهة تفضي إلى شك جديد"، وهنا يتجسد المبدأ الوجودي الذي يرى أن البحث عن الحقيقة هو رحلة لا تنتهي، وأن اليقين هو وهم يخلق الاستسلام للواقع المأساوي. تتماهى هذه الرؤية مع فلسفة كافكا، الذي رأى أن الإنسان يعيش في سجن من رغباته ومخاوفه، ومع فلسفة ديكارت الذي أكد أن الشك المنهجي هو الطريق إلى المعرفة. كما يمكن قراءة الصراعات الداخلية للشخصيات عبر منظور التحليل النفسي لفرويد، حيث يحرك اللاوعي الرغبات والصراعات، ويكشف الصراع بين الغريزة والضمير، وبين الرغبة في البقاء والخوف من الموت النفسي والاجتماعي. ويضيف يونغ بعدا آخر من خلال مفهوم الظل والأنيموس والأنيما، إذ يمثل إبليس في الرواية الظل المخفي للشخصيات، والمواجهة معه عملية اكتشاف للذات. غير أن إبليس عند شاوي لا يتطابق تماما مع "الظل" اليونغي الكلاسيكي؛ فهو ليس مجرد محتوى نفسي مكبوت، إنما يتجسد أحيانا كقوة اجتماعية وسياسية وأخلاقية أيضا. فهل إبليس هنا ظلّ نفسي فردي فحسب، أم ظلّ جماعي لحضارة بأكملها؟ وهل إبليس قوة خارجية مفروضة على الإنسان، أم أنه في النهاية مرآة لذاته المظلمة التي يهرب منها؟
في هذا الإطار، يصبح المصعد مكانا ذا كثافة رمزية عالية داخل الرواية. فهو ليس مجرد فضاء مادي، إنما حالة وجدانية، إذ إن توقف الزمن يعكس توقف الإنسان عن فهم ذاته، والارتباك والاهتزاز يعكسان حالة القلق النفسي، والمجهول يعكس مواجهة الإنسان لظروفه وقواه الداخلية. المصعد، إذن، ليس مجرد موقع لأحداث، إنما أداة لتصوير العالم النفسي للشخصيات، ومكانا للتأمل العميق في طبيعة الخوف والشر، وفي صراع الإنسان مع ذاته. ويتجلى هنا ما قاله هنري جيمس: إن الخيال هو المرآة التي تعكس أعماق الروح؛ وفي ضوء ذلك، يعكس المصعد أعماق الشخصيات في مواجهة المجهول.
ويمكن قراءة المصعد أيضا على أكثر من مستوى رمزي متداخل. فمن زاوية سياسية، يذكّر بآليات السلطة: حركة الصعود والهبوط لا يتحكم بها الأفراد داخل المقصورة، إنما قوة غير مرئية خارجها، كما لو أن الشخصيات عالقة في نظام يقرّر مصائرها من أعلى. ومن زاوية تاريخية، يبدو المصعد أشبه بتاريخ يصعد ويهبط بلا سيطرة فردية، يحمل البشر معه صعودا وهبوطا كما تحملهم موجات الزمن. أما من زاوية نفسية، فيمكن اعتباره تمثيلا للجسد النفسي ذاته: الأعلى هو فضاء الوعي والعقل، والأسفل هو عمق اللاوعي بما يحمله من رغبات ومخاوف مكبوتة. هكذا يتحول المصعد إلى فضاء تتقاطع فيه السلطة والتاريخ والنفس في لحظة واحدة.
من هنا يمكن الحديث عن "سياسة المصعد" في الرواية: من يملك حق التحكم بالحركة؟ من يقرر متى نتوقف ومتى نتحرك؟ كما يمكن الحديث عن "ميتافيزيقا المصعد"، بوصفه فضاء معلّقا بين الوجود والعدم، بين الصعود إلى المعنى والهبوط إلى العتمة، حيث يصبح التوقف ذاته لحظة فلسفية تكشف هشاشة الإنسان أمام قوى تتجاوز إرادته. وهل يرمز المصعد إلى القدر الذي يرفع ويهبط بلا استئذان، أم إلى الوعي المتأرجح بين الأعلى والأسفل، أم إلى سلطة خفية تتحكم بمصائر البشر؟
كما تعكس الرواية الفجوة الحضارية بين الشرق والغرب، بين الإنسان الذي يعيش في بيئة مقيدة بالخراب الاجتماعي والسياسي، وبين الإنسان المحاط بفرص الحرية الفكرية والثقافية. لا يُعرض هذا التباين كسرد واقعي فقط، إنما كأزمة معرفية ووجودية، حيث يتعين على القارئ أن يقارن بين مجتمعات مختلفة، وأن يتساءل عن شروط الحرية، وعن تأثير البيئة على تكوين الشخصية، وعن قدرة الإنسان على مقاومة الظروف القاسية أو التكيف معها. ويُستدعى هنا ما كتبه توماس مان في الجبل السحري، أن الإنسان هو نتاج البيئة والزمان، لكنه أيضا صانع ذاته؛ وبالمثل، يعكس شاوي هذا التوتر في تعامل شخصياته مع ظروفها المتقلبة.
ويبرز في الرواية عنصر الزمن المزدوج: زمن الأحداث الواقعية، وزمن التجربة الداخلية للشخصيات، الذي يمتد في الغالب بلا حدود، وتتخلله الانعكاسات والذكريات والكوابيس النفسية. يجعل هذا الاستخدام للزمن النص أقرب إلى تجربة فلسفية، حيث يعيش القارئ داخل وعاء زمني متعدد الطبقات، يشترك فيه مع الشخصيات في المخاوف والآمال والتساؤلات الوجودية. وفي هذا السياق، يُسترجع رأي مارسيل بروست، الذي رأى أن الزمن الماضي لا يموت، إنما يبقى حيا في الذاكرة؛ وهو ما ينعكس في الرواية في استدعاء الماضي المؤلم للشخصيات.
ولا يغفل شاوي في روايته عن البعد الاجتماعي والسياسي العميق. الحروب، الطائفية، الفساد، الانتهاكات الحقوقية، كلها ليست مجرد خلفيات للأحداث، إنما قوى فاعلة تشكل الشخصيات، وتحدّد خياراتها، وتفرض عليها تحديات وجودية. هنا يظهر النقد الاجتماعي والسياسي للنص بوضوح، إذ تحذر الرواية من هشاشة الأنظمة والقيم التي لا تحمي الإنسان، وتكشف عن هشاشة القوى السياسية أمام إرادة الفرد، وتؤكد على مسؤولية الإنسان في البحث عن ذاته وسط الفوضى. ويُتذكر هنا ما قاله جان جاك روسو: إن الحرية لا تُعطى بل تُنتزع؛ وبالمثل، تعيش الشخصيات في رواية "متاهة إبليس" هذا الصراع يوميا.
تتجلى الأبعاد النفسية للشخصيات أيضا في عالم المرأة، حيث تحمل النساء في الرواية صراعات مزدوجة: صراع البقاء في بيئة قاسية، وصراع السيطرة على رغباتهن وهواجسهن الداخلية. وتُظهر حواء ذو النورين، بحيرتها بين الحب والرغبة والخوف من الماضي، معاناة الإنسان الذي يحاول إيجاد مكانه في عالم مضطرب، في حين تجسد حواء الكرخي، بمقاومتها للأحداث والمطاردين، إرادة الحياة، وإصرار الإنسان على النجاة مهما كانت التحديات. ويُستحضر هنا ما تقوله سيمون دي بوفوار في الجنس الآخر: "المرأة لا تولد امرأة إنما تصبح امرأة"، وهو ما تعكسه الرواية في التحول الداخلي المستمر للشخصيات في مواجهة مصاعب العالم.
لا يقل الجانب الأخلاقي والفلسفي للرواية أهمية، إذ يناقش شاوي سؤال الشر والحس الإنساني: هل الشر شيء خارجي مفروض على الإنسان، أم هو انعكاس لما يحمله داخليا؟ إن إبليس في الرواية ليس مجرد شخصية أسطورية، إنما رمز للظلام الداخلي للإنسان، ولكل الرغبات التي يبرر بها أفعاله الخاطئة. وكل مواجهة مع إبليس تصبح اختبارا للضمير، وتأملا في طبيعة الخير والشر، والقدرة على الاختيار الحر. ويتجلى هنا ما قاله هيجل: إن الحرية الحقيقية تتحقق في وعي الإنسان بذاته وبأفعاله؛ وبالمثل، تتدرب الشخصيات في الرواية على مواجهة نفسها قبل مواجهة العالم الخارجي.
أخيرا، ليست رواية "متاهة إبليس" مجرد رواية سياسية أو اجتماعية، ولا مجرد نص أدبي فانتازي، لكنها تجربة تأملية شاملة في الوجود الإنساني. إنها نص يدعونا للتساؤل عن أنفسنا، عن عالمنا، عن حدود حريتنا، عن طبيعة الشر والخير، وعن قدرة الإنسان على مواجهة التحديات التي تفرضها عليه الحياة والظروف القاسية. وهنا يمكن استحضار ما كتب فرويد، الذي يرى أن الحياة النفسية هي ساحة معركة بين الرغبة والواقع؛ وفي ضوء ذلك، تجعل الرواية القارئ حاضرا في هذه المعركة، متأملا قدره ومصيره.