علي عطا يقرأ كيمياء التواصل الأدبي بين الصين والعرب
يقدم الشاعر والروائي علي عطا في كتابه "الأدب الصيني بالعربية: الترجمة والتلقي والانتشار" رؤية نقدية وتاريخية شاملة لجسور التواصل الثقافي بين العالمين العربي والصيني، مستهلاً طرحه بتأمل فلسفي في جوهر الترجمة التي يصفها بأنها "خيانة مستحبة" لا يمكنها الإفلات من نقل روح المترجم وثقافته، وهي العملية التي تمنح النص حياة أخرى وتنقذه من ركاكة النقل الحرفي، مؤكداً أن المترجم المبدع هو في الحقيقة "مؤلف ثانٍ" يعيد بناء النص جمالياً في لغة الاستقبال بما يضمن بقاء النبض الإنساني حياً عبر الحدود الجغرافية.
ويربط في تمهيده بين محطتين عالميتين غيرتا مجرى الالتفات للأدبين؛ فوز نجيب محفوظ بنوبل عام 1988 الذي نشّط ترجمة الأدب العربي وجعل من "الثلاثية" نموذجاً ملهماً للروائيين الصينيين في تتبع التحولات الاجتماعية، وفوز مويان بالجائزة نفسها عام 2012 الذي فجر طفرة موازية في ترجمة الأدب الصيني للعربية، معتبراً أن الانفتاح الاقتصادي والتقني المذهل للصين كان المحرك الأهم لهذا الحراك الثقافي الذي يعكس حضارة متنوعة تضم 56 قومية، لكل منها إرثها السردي الخاص الذي يغذي النهر الكبير للأدب الصيني المعاصر.
وينساب الكتاب، الصادر عن دار الحكمة، لاستعراض الترجمة بوصفها "قاطرة التقدم" ووسيلة لا غنى عنها في المثاقفة الحضارية، حيث يعود بجذورها التاريخية إلى العصر العباسي وتأسيس بيت الحكمة في بغداد كأول مؤسسة احترافية في التاريخ، مبرزاً دورها في حفظ علوم اليونان وكتاب "كليلة ودمنة" من الضياع، مع المقارنة بالتجربة الصينية التي اقتصرت إستراتيجياتها المترجمة تاريخياً على محطات دينية وفكرية محددة ارتبطت بالبوذية القادمة من الهند، ثم الانفتاح الاضطراري على الفكر الغربي في القرن التاسع عشر تحت ضغط التحديث العسكري والسياسي.
وينتقل عطا بسلاسة لتتبع مسارات النقل المباشر من الصينية إلى العربية، مشيراً إلى أن عام 1949 وتأسيس جمهورية الصين الشعبية دشنا مرحلة جديدة غلبت عليها المعايير الأيديولوجية والسياسية في اختيار النصوص التي تمحورت حول النضال والاستقلال والواقعية الاشتراكية، قبل أن تتحرر هذه الذائقة لاحقاً لتشمل كلاسيكيات روحية وفلسفية مثل معاني القرآن الكريم التي نُقلت بدقة لاهوتية، وأعمال جبران خليل جبران التي تركت أثراً وجدانياً عميقاً في الوجدان الصيني لتقاطعها مع القيم الروحية الشرقية.
الأديب مويان الحائز على جائزة نوبل تميز عالمه الروائي بمزج القصص الشعبية والتاريخ والمعاصرة بواقعية تتسم بـ "الهلوسة" التي تدمج الفانتازيا بالواقع القاسي
ويشير عطا إلى أن انطلاق الأدب الصيني عالميًا في السنوات الأخيرة يمثل ظاهرة شبيهة بـ"البوم" (BOOM) أو الانفجار الأدبي الذي ميز أدب أمريكا اللاتينية في ستينيات القرن الماضي، وهو المصطلح المرتبط ببروز كتاب كبار مثل ماركيز ويوسا؛ إذ بات الأدب الصيني اليوم، وبخاصة عيون الأدب الجديد، يحتل مكانة طبيعية مماثلة على خريطة الأدب العالمي متصدراً قوائم الأكثر مبيعاً ومنافساً بقوة في كبريات الجوائز الدولية.
وتكتسب هذه الطفرة أهمية استثنائية في السياق العربي لأنها تعمل كأداة معرفية صلبة لتفكيك وتصحيح الصور النمطية السطحية التي استقرت في المخيلة الشعبية عبر عقود من العزلة، والتي حصرت الإنسان الصيني في كليشيهات "أفلام الكاراتيه" وبطولات بروسلي، أو في تصورات فجة تدعي استهلاك الصينيين للحشرات والكلاب بشكل مقزز.
ويؤكد أن هذه الصورة الذهنية المشوهة لم تكن وليدة الصدفة، بل صنعتها هوليوود والمركزية الغربية عن عمد لتسطيح صورة دولة وحضارة يجد الغرب مصلحة في "شيطنتها" وعرقلة صعودها، ومن هنا تبرز الترجمة المعاصرة كضرورة ملحة لتقديم الواقع الصيني بكل تعقيداته الإنسانية وصراعاته النفسية بعيداً عن الرؤى التجارية السطحية التي تخدم أجندات الهيمنة.
ويلفت عطا إلى أن الأديب مويان، الحائز على جائزة نوبل، يعد أحد أبرز وجوه هذا التيار، حيث تميز عالمه الروائي بمزج القصص الشعبية والتاريخ والمعاصرة بواقعية تتسم بـ "الهلوسة" التي تدمج الفانتازيا بالواقع القاسي، ورغم اعترافه بتأثره بوليام فوكنر وغارثيا ماركيز، إلا أنه أصر على الابتعاد عن مسارهما لينتهج أسلوبه الخاص المستمد من طرائق الرواة الشعبيين وحكايات الجدات في قريته "قاومي"، ليمثل "أدب البحث عن الجذور" الذي يجسده في روايات مثل "الذرة الرفيعة الحمراء" نوعاً من "أدب المقاومة" العالمي الذي يعيد الاعتبار للهوية الثقافية الصينية في مواجهة موجات التغريب، ويضعها في مقام الروائع الإنسانية الكبرى التي تخاطب الروح البشرية في كل مكان، موضحاً أن هذا الانفجار الأدبي لا يعكس فقط تطور المجتمع الصيني المادي، بل يقدم للقارئ العربي فرصة نادرة لاكتشاف المشترك الإنساني في الصراعات الأخلاقية والتحديات الوجودية، ومؤكداً أن المشاعر الإنسانية الأساسية من حب وخوف وفقد تظل واحدة رغم اختلاف الجغرافيا وتباعد الثقافات.
ويرى عطا أن عمق التجربة الروائية الصينية الحديثة يتجلى في قدرتها الفائقة على الموازنة الحساسة بين الحداثة التقنية المتسارعة والجذور الفلكلورية الضاربة في القدم، وهو ما يرصده في رحلة الغوص بين ثنايا "حرير الأدب والاتكاء على الأساطير"؛ حيث يبرز توظيف الأساطير الكبرى كأدوات سردية حية، مثل أسطورة "الثعبان الأبيض" التي تُعد واحدة من أهم أربع حكايات شعبية في الصين، والتي لم تعد مجرد موروث قديم يُحكى للأطفال، بل أصبحت منطلقاً فلسفياً لأعمال روائية معاصرة معقدة مثل "تاريخ آخر للضحك" لليو جين يون، الذي يستدعيها لإعادة صياغة الهوية الثقافية في سياق يتداخل فيه الحزن الوجودي مع الكوميديا السوداء، مما يعكس إيماناً راسخاً بأن تطور الهواتف الذكية وتكنولوجيا الفضاء لم يزعزع ارتباط الإنسان بالرموز الأسطورية والمعتقدات العميقة التي تجعل من الحياة رحلة معنوية تتجدد في سياق أسطوري لا ينتهي بانتهاء الزمن الفيزيائي.
عطا يفرد مساحة واسعة لتحليل حضور المرأة في المشهد الأدبي الصيني، مبيناً أنها لم تعد مجرد موضوع للكتابة أو رمزاً للمظلومية
وينتقل لاستكشاف "متاهة التخييل الوثائقي" التي تتبدى بوضوح في رواية "الشيفرة" لماي جيا، حيث يمتزج العمل الاستقصائي الدقيق بالخيال الأدبي المجنح للإحاطة بملابسات حماية الأمن القومي عبر لغة الرياضيات وكسر الرموز، وفي هذا السياق الملحمي تبرز رواية "المرسال" لليو ليانغ تشنغ كنموذج فريد يذيب الحدود الفاصلة بين عالم البشر والحيوانات والأشباح في بيئة غرائبية مستلهمة من أساطير المناطق الغربية الصينية القاحلة، للتأكيد على أن الحياة سلسلة متصلة من التواصل والتصالح الذي لا يتحقق إلا بفهم أعمق لصراعات الوجود الإنساني داخل الطبيعة. وعلى مدار "مائة عام من التواصل"، تطورت الأدوات التي تدعم التقارب الثقافي لتصبح أكثر مؤسسية؛ فلم تعد تقتصر على البعثات الطلابية التقليدية، بل أصبحت معاهد كونفوشيوس المنتشرة في الجامعات العربية والمنصات الرقمية الذكية حلقة وصل حيوية للتعلم تتجاوز العوائق المكانية، وفي المقابل، شهدت الساحة الصينية حضوراً لافتاً وممنهجاً للأدب العربي، توج بتنظيم ندوات تخصصية كبرى احتفت بمبدعين كبار مثل طه حسين والعقاد ويحيى حقي، مع تسليط الضوء على تجارب الروائيين المعاصرين، مما جعل الأدب العربي مادة خصبة للأطروحات البحثية في الجامعات الصينية التي تسعى لفهم العقل العربي عبر إبداعه الأدبي.
يفرد عطا مساحة واسعة لتحليل حضور المرأة في المشهد الأدبي الصيني، مبيناً أنها لم تعد مجرد موضوع للكتابة أو رمزاً للمظلومية، بل باتت صوتاً فاعلاً وجريئاً يعكس التحولات الاجتماعية العميقة والتمزقات النفسية الناتجة عن التحديث. ويبرز كيف اقترن هذا الحضور بالانفتاح على ثقافة الغرب وقيم الفردانية، لا سيما في فترة التسعينيات التي شهدت تجاوزاً حاداً لقيم الثورة الثقافية الجماعية نحو أنماط استهلاكية وفكرية جديدة تعلي من شأن التجربة الذاتية. وتتجلى هذه النزعة النسوية الصادقة في أعمال كاتبات مثل "شين يانغ" التي قدمت في روايتها "أكثر من طفل" صرخة احتجاجية لجيل كامل من "الأطفال الزائدين" الذين عاشوا في الظل محرومين من حقوقهم بسبب سياسة الطفل الواحد، معريةً الجروح النفسية العميقة والندوب الاجتماعية التي خلفتها تلك الحقبة في وجدان الأسرة الصينية. كما يستعرض تجربة "ما جين ليان" في رواية "زهرة السوسن" التي نالت جوائز مرموقة، حيث ترصد بوعي أنثروبولوجي معاناة المرأة في قومية "هوي" المسلمة وصراعاتها مع الفقر والتقاليد الإقطاعية، وكيف استطاعت بطلتها نيل نضجها الخاص وتحويل معاناتها إلى طاقة إيجابية للسعادة والبناء.
ويشير إلى تجربة الكاتبة الكبيرة "وانغ آن يي" في ثلاثيتها "عشاق من الشرق"، حيث تقارب عاطفة الحب بوصفها "حرباً شرسة" واختباراً أخلاقياً لا يقبل التكرار، وتربط فيها التجربة الشخصية الحميمية بالجدلية الإنسانية العامة ضمن أطر اجتماعية ونفسية متغيرة باستمرار.
رواية "المرسال" لليو ليانغ تشنغ نموذج فريد يذيب الحدود الفاصلة بين عالم البشر والحيوانات والأشباح في بيئة غرائبية مستلهمة.
ويرى أن قصص النساء الصينيات، كما ترويها "وانغ آن يي" أو "تشيه تزيه جيان"، تتقاطع بشكل مذهل مع قصص النساء في المجتمعات العربية في صراعهن من أجل التحقق والحرية، مما يجعل هذا الأدب أقرب للوجدان العربي من الأدب الغربي الذي هيمن طويلاً على الذائقة رغم اختلاف السياقات. حتى عندما يكتب الرجال عن المرأة، كما في أعمال "ليو جين يون"، نجد انحيازاً فنياً واضحاً لقضاياها وصمودها الأسطوري في وجه الفساد والظلم، مثل بطلة رواية "طلاق على الطريقة الصينية" التي جسدت شجاعة الإصرار على رفع الظلم وكسر حاجز الصمت الاجتماعي.
ويتوقف عطا عند التحديات الجسيمة والآفاق المستقبلية التي تكتنف هذا الدرب الثقافي، مسلطاً الضوء على الفجوة اللغوية الجذرية وصعوبة نقل المفردات العامية والمحلية المفرطة التي تزخر بها الروايات الصينية، مثل لهجة مدينة "سوجو" أو المناطق الريفية، منتقداً غياب التقييم النقدي المتخصص للترجمات الذي يفرز الغث من السمين، ومشيراً إلى مفارقة واضحة بين العمل المؤسسي المنظم والمدعوم حكومياً في الصين والجهود الفردية المبعثرة التي تعتمد على شغف المترجمين العرب وشجاعة بعض دور النشر الخاصة. ويحذر عطا من تحديات عصر الذكاء الاصطناعي الذي قد يقلص دور المترجم البشري لصالح الآلة، رغم عجزها البنيوي الحالي عن تذوق الجماليات الأدبية العميقة ونقل الروح الكامنة بين السطور، داعياً إلى ضرورة تحويل هذه المبادرات الفردية إلى عمل مؤسسي مستدام تشترك فيه وزارات الثقافة والباحثون من الجانبين لضمان جودة المحتوى وبناء قاعدة بيانات كبرى للمصطلحات، بهدف بناء "رابطة المصير المشترك" للبشرية التي لا تقوم إلا على المعرفة المتبادلة.
ويخلص إلى أن الحراك الأدبي بين العرب والصين قد انتقل فعلياً من مرحلة "التعارف السياحي" أو المجاملات السياسية العابرة إلى مرحلة "الاشتباك الإنساني" العميق، مؤكداً أن قراءة رواية صينية رصينة قد تكون أسرع وأقصر طريق لتحقيق التفاهم العالمي في عصر القلق، لأنها تمنحنا فرصة نادرة لرؤية العالم بعيون الآخر والاعتراف بيقين بأن جوهر الإنسان واحد وأحلامه مشتركة مهما تباعدت المسافات أو تباينت الأنظمة.