كاتبات السيناريو الخليجيات صوت يعيد تشكيل الحكاية
الرياض ـ لم يعد حضور المرأة في الدراما والسينما الخليجية مقتصرا على الظهور أمام الكاميرا وأدوار البطولة فقط، بل انتقل بثبات إلى قلب العملية الإبداعية، حيث أصبحت كاتبات السيناريو قوة فاعلة في صياغة الخطاب الدرامي، وصناعة الحكايات، وتحديد زوايا النظر إلى المجتمع وقضاياه المتغيرة.
في السنوات الأخيرة، ومع تعاقب المواسم الدرامية وصولا إلى رمضان 2026، برزت أسماء نسائية استطاعت أن تفرض حضورها بقوة، مقدّمة نصوصا تجاوزت الترفيه السطحي إلى مساءلة الواقع الاجتماعي، وإعادة قراءة قضايا المرأة والأسرة والهوية والسلطة داخل المجتمع الخليجي.
وجاء هذا التحول نتيجة تغيرات اجتماعية وثقافية عميقة شهدتها دول الخليج، انعكست على الدراما بوصفها مرآة للمجتمع. ومع اتساع مساحة التعليم والعمل والتمكين أمام المرأة، بات من الطبيعي أن تنتقل هذه التحولات إلى النص الدرامي، لا عبر الشخصيات النسائية فقط، بل من خلال الأقلام التي تكتبها وتمنحها صوتا مختلفا وأكثر صدقا.
لم يعدن استثناء
تتصدر المشهد اليوم كاتبات مثل هبة مشاري حمادة، أنفال الدويسان، هدى حمد، وإيمان سلطان، وهنّ أسماء لم تعد تُستحضر بوصفها "استثناء نسائيا" في حقل يهيمن عليه الرجال، بل كركائز أساسية في صناعة الدراما الخليجية الحديثة.
وقد نجحن في بناء حضورهن عبر نصوص متماسكة، وشخصيات مركبة، وطرح فكري يواكب التحولات المتسارعة في المجتمع الخليجي، بعيداً عن القوالب الجاهزة أو المعالجات النمطية.
مرآة للتحولات
تُعد الكاتبة هبة مشاري حمادة من أبرز الأسماء التي أسهمت في إعادة تعريف الكتابة الدرامية الخليجية خلال العقد الأخير، ففي أعمالها مثل "أم البنات"، "فضة قلبها أبيض"، و"الغميضة"، تطرح الأسرة الخليجية بوصفها فضاءً للصراع الإنساني، لا نموذجا مثاليا منزهاً عن التناقضات. تمتاز كتابتها بالغوص في العمق النفسي للشخصيات، وكشف المسكوت عنه داخل العلاقات الأسرية، ولا سيما علاقة الأبناء بالآباء، والمرأة بذاتها وبمحيطها.
وفي مسلسل "الغميضة"، على سبيل المثال، قدّمت حمادة معالجة جريئة لمفهوم بر الوالدين، مقلّبة الصورة النمطية التي اعتادت الدراما الخليجية تقديمها. فهي لا تطرح الأب أو الأم بوصفهما رمزاً مطلقاً للتضحية فقط، ولا الأبناء بوصفهم مثالاً للبر، بل تكشف هشاشة هذه العلاقة عندما تدخل المصالح المادية والطمع وضعف القيم، مبتعدة عن الخطاب الوعظي المباشر، ومفسحة المجال للمشاهد كي يتأمل ويُحاكم بنفسه.
وتؤكد حمادة في أكثر من مناسبة أن النص الدرامي، برأيها، يجب أن يعكس الواقع كما هو، لا كما نحب أن نراه.
في قلب الصراع
استطاعت الكاتبة أنفال الدويسان، أن تحجز مكانها بين الأصوات المؤثرة في الدراما الخليجية من خلال أعمال مثل "خطوات صغيرة" و"الناموس".
وتركز الدويسان في نصوصها على الصراعات الداخلية للشخصيات، وعلى التحولات النفسية العميقة التي تمر بها المرأة الخليجية في ظل واقع اجتماعي متغير، حيث تتقاطع التقاليد مع الطموح، والواجب مع الرغبة.
وتقدّم الدويسان المرأة بوصفها فاعلا أساسيا في صناعة القرار داخل الأسرة والمجتمع، لا مجرد تابع للقرار الذكوري.
وغالباً ما تتحرك شخصياتها النسائية في مساحات رمادية، تواجه اختبارات أخلاقية معقدة، وتُجبر على اتخاذ قرارات صعبة، ما يجعلها أكثر قرباً من الواقع. وقد صرحت في أكثر من حوار أن كتابتها تنطلق من ملاحظتها اليومية للتغيرات التي يعيشها المجتمع الخليجي، حيث لم تعد المرأة على هامش الحكاية، بل في مركزها.
وتأتي الكاتبة العُمانية هدى حمد بصوت مختلف، يميل إلى الطرح الفلسفي والرمزي، ويغوص في قضايا الهوية والذاكرة والذات. وقد تحولت بعض أعمالها الأدبية إلى نصوص درامية، محتفظة بروحها التأملية، ومقدّمة تجربة تبتعد عن الحبكات التقليدية القائمة على الصراع المباشر فقط.
وترى حمد أن الدراما الخليجية مطالبة اليوم بأن تفتح أفقاً للتفكير النقدي، لا أن تكتفي بإعادة إنتاج الصراعات الأسرية بشكل نمطي. وفي نصوصها، تحضر المرأة ككائن مفكر، يحمل أسئلة وجودية، ويعيد النظر في علاقته بالمكان والتاريخ والمجتمع. هذا النوع من الكتابة يمنح الدراما الخليجية بعدا ثقافيا وفلسفيا أعمق، ويكسر هيمنة الحكايات السهلة والسريعة.
الواقعية بصوت نسائي
تبرز الكاتبة إيمان سلطان من خلال أعمال مثل "إلى أبي" و"البيت الكبير"، حيث تعتمد على الواقعية الشعبية، وتسلط الضوء على التوتر القائم بين التقاليد والانفتاح، وبين الماضي والحاضر. شخصياتها النسائية تنتمي إلى بيئات مألوفة للمشاهد الخليجي، لكنها ليست شخصيات سلبية أو منقادة، بل تمتلك مواقف واضحة ورؤية خاصة تجاه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بها.
وتؤكد سلطان في تصريحاتها أن المرأة الخليجية اليوم لم تعد مجرد "حارسة للعادات"، بل أصبحت شريكاً في إعادة تعريفها، وأن تجاهل هذا التحول في الدراما يعني الانفصال عن الواقع الاجتماعي الحقيقي.
ويشهد موسم رمضان 2026 تصاعداً ملحوظاً في عدد النصوص التي تحمل توقيع كاتبات خليجيات، وهو ما يعكس تحولاً حقيقياً في صناعة القرار الإبداعي داخل المؤسسات الإنتاجية. فالأعمال التي تُعرض هذا الموسم لا تكتفي بوضع المرأة في مركز الحكاية، بل تنطلق من رؤية نسائية واعية لطبيعة الصراع الاجتماعي، سواء داخل الأسرة أو في الفضاء العام.
وتتسم النصوص بجرأة أكبر في الطرح، من حيث تناول قضايا علاقة الأجيال ببعضها، وضغوط التوقعات الاجتماعية، وصراعات الفتيات في ظل التحولات الاقتصادية والثقافية. كما يبرز الابتعاد الواضح عن النمطية، حيث لم تعد الشخصيات النسائية مسطحة أو أحادية البعد، بل أصبحت متعددة الوجوه، تحمل تناقضاتها وضعفها وقوتها في آن واحد.
تمكين خلف الكاميرا
يشير صعود كاتبات السيناريو في الدراما الخليجية إلى تمكين حقيقي للمرأة خلف الكاميرا. فوجود المرأة في موقع التأليف يعني مشاركتها المباشرة في صناعة السرد، وفي تحديد زاوية النظر إلى القضايا الاجتماعية، بعيداً عن التمثيل الأحادي أو النظرة الذكورية التقليدية.
هذا الحضور يسهم في خلق توازن أكبر داخل الصناعة، ويمنح الدراما الخليجية قدرة أعلى على تمثيل الواقع بتعقيداته.
لا يزال حضور المخرجات في الدراما الخليجية في طور التأسيس، لكنه يشهد نمواً تدريجياً مع دعم المؤسسات الثقافية والإنتاجية.
وتُعد أسماء مثل نهلة الفهد ومنيرة عاشور مؤشرا إلى بداية مسار قد يفتح الباب أمام جيل جديد من المخرجات، ليصبح الإخراج النسائي جزءا أساسيا من المشهد الدرامي الخليجي في السنوات المقبلة، مكمّلاً للدور الذي رسخته الكاتبات في صياغة الحكاية وصناعة التحول.