حماس وعنق الزجاجة

تقارير تشير إلى أن بعض عناصر حماس اضطروا إلى بيع أسلحتهم أو معداتهم العسكرية لتأمين احتياجاتهم المعيشية.

التقارير المتداولة مؤخرًا، حول الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها "حماس"، في قطاع غزة تُشير إلى تحول لافت في طبيعة التحديات التي تواجهها الحركة، إذ لم تعد الضغوط العسكرية والسياسية وحدها هي العامل الحاسم، بل بات العامل الاقتصادي أحد أخطر عناصر إضعاف بنيتها التنظيمية وقدرتها على الاستمرار.

وفق هذه المعطيات، لا تقتصر الأزمة على نقص في الموارد، وإنما تعكس خللًا أعمق في إدارة المال والاقتصاد في بيئة شديدة التعقيد، ما يضع الحركة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على التكيف والبقاء، خاصة وأنها تمر بمرحلة سياسية حاسمة، قد تنهي مستقبلها السياسي، في ظل الضغوط الأميركية، لنزع سلاح الحركة في غزة، وفقًا لخطة ترامب، والملاحقة الإسرائيلية لعناصرها، بهدف إنهاء مسيرة المقاومة.
اللافت في هذه التقارير، هو الحديث عن اضطرار بعض عناصر حماس إلى بيع أسلحتهم أو معداتهم العسكرية لتأمين احتياجاتهم المعيشية، وهو مؤشر غير مسبوق نسبيًا في سياق حركات مسلحة اعتادت تقديم البعد العسكري على أي اعتبار آخر، هذا السلوك - إن صح - لا يمكن قراءته فقط بوصفه نتيجة للفقر أو انقطاع الرواتب، بل كدليل على تآكل منظومة الانضباط التنظيمي التي شكلت لعقود أحد مصادر قوة الحركة.

تبدو الأزمة المالية الحالية، نتيجة تراكمية لعدة عوامل، في مقدمتها تضييق قنوات التمويل الخارجي، وتراجع الدعم الإقليمي، وتشديد الرقابة على التحويلات المالية، فضلًا عن الأثر الكارثي للحرب المستمرة على البنية الاقتصادية في غزة، لكن العامل الأهم، وربما الأكثر حساسية، هو فشل الحركة في بناء نموذج اقتصادي مستدام خلال سنوات سيطرتها على القطاع، حيث انشغلت حماس بإدارة الصراع أكثر من إدارة المجتمع، وركزت على تعزيز قوتها العسكرية على حساب تطوير مؤسسات اقتصادية، قادرة على الصمود في وجه الأزمات.
اعتماد الحركة على اقتصاد الطوارئ، القائم على المساعدات والتمويلات الاستثنائية، جعلها شديدة الهشاشة أمام أي تغيير في المزاج السياسي الإقليمي أو الدولي، ومع تراجع هذه الموارد، وجد آلاف الموظفين والعناصر أنفسهم بلا دخل منتظم، في بيئة تعاني أصلًا من معدلات بطالة وفقر غير مسبوقة، وفي مثل هذا السياق، يصبح بيع الممتلكات الشخصية، وحتى أدوات القتال، خيارًا قسريًا للبقاء، لا تعبيرًا عن قناعة أو تحول أيديولوجي.
هذه الأزمة لا تنعكس فقط على المستوى الفردي لعناصر الحركة، بل تمتد آثارها إلى قدرتها العملياتية والأمنية، إذ يعني ضعف التمويل تراجع القدرة على التجنيد والتدريب والصيانة، ويؤثر على منظومة القيادة والسيطرة، كما يفتح الباب أمام اختراقات أمنية محتملة، سواء عبر الإغراء المالي أو تراجع الولاء التنظيمي، كما أن استمرار هذا الوضع قد يُضعف صورة الحركة أمام جمهورها، الذي طالما رُوج له نموذج الصمود والقدرة على التحمل، باعتباره جزءًا من هوية حماس.
تمر الحركة بمرحلة حاسمة في تاريخها، وتكشف الأزمة المالية الراهنة، عن مأزق متعدد الجوانب، يتجاوز الظرف الطارئ، وهنا يبرز سؤال أعمق حول جدوى نموذج الحكم الذي انتهجته حماس في غزة، وبالعودة إلى تاريخ الحركات المسلحة، نجد من يفشل في الموازنة بين الأهداف السياسية والاحتياجات المعيشية لمجتمعاتها، يجد نفسه عاجلًا أو آجلًا أمام تآكل داخلي صامت، قد يكون أشد فتكًا من أي ضربة عسكرية، لذلك ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة رواتب أو نقص تمويل، بل علامة فارقة قد تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة داخل الحركة وفي القطاع ككل.