حين تتحول الكارثة إلى اختبار للنجاعة العمومية

الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الاعتمادات المرصودة، بل في نجاعة التنفيذ، وشفافية التدبير، وسرعة الأثر على حياة المواطنين.

لم تكن الاضطرابات الجوية الاستثنائية التي شهدتها المملكة خلال الشهرين الماضيين مجرد حادث مناخي عابر، بل شكلت لحظة كاشفة لهشاشة البنيات الترابية أمام التحولات المناخية المتسارعة، واختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على التدخل السريع والمنظم لحماية مواطنيها وصون توازنها الاقتصادي والاجتماعي. ففي سهلي الغرب واللوكوس، حيث تتقاطع الكثافة السكانية مع الثقل الفلاحي، تحولت الفيضانات إلى أزمة متعددة الأبعاد، اجتاحت أزيد من 110 آلاف هكتار، وفرضت إجلاء ما يقارب 188 ألف شخص في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان.

في مثل هذه اللحظات، لا يُقاس أداء الدولة بحجم الخطاب، بل بقدرتها على تحويل الإرادة السياسية إلى برنامج عملي ذي أثر مباشر. من هذا المنطلق، جاءت التعليمات الملكية بإطلاق برنامج واسع للمساعدة والدعم، في سياق يعكس مركزية البعد الاجتماعي في الفعل العمومي، ويؤكد أن حماية الكرامة الإنسانية تظل أولوية استراتيجية لا ظرفية.

إعلان حالة "كارثة" وتصنيف الجماعات الأكثر تضررًا مناطق منكوبة لم يكن مجرد إجراء إداري، بل خطوة تنظيمية ذات دلالة سياسية وقانونية، تُفعِّل آليات استثنائية للتدخل وتسرّع مساطر الدعم. فالتدبير في زمن الأزمات لا يحتمل بطء الإجراءات، بل يتطلب وضوحًا في المسؤوليات، وتنسيقًا محكمًا بين المركز والمجال الترابي.

البرنامج الحكومي، بميزانية تقديرية تبلغ ثلاث مليارات درهم، يكشف عن مقاربة متعددة المستويات. فمن جهة أولى، تم تخصيص 775 مليون درهم لإعادة الإسكان، وتعويض فقدان الدخل، وتأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة، وإعادة بناء المنازل المنهارة. وهذه الإجراءات لا تعني فقط ترميم الحجر، بل إعادة ترميم الثقة الاجتماعية وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الأسري.

ومن جهة ثانية، رُصد ما يقارب 225 مليون درهم للمساعدات العينية وتعزيز التدخلات الاستعجالية لتلبية الحاجيات الفورية للساكنة، وهو ما يعكس إدراكًا لأهمية البعد الإنساني في المراحل الأولى للأزمة، حيث تتقدم الضرورات الحيوية على كل اعتبار آخر.

أما القطاع الفلاحي، الذي يمثل عصب الاقتصاد المحلي في هذه المناطق، فقد خُصص له 300 مليون درهم لدعم المزارعين ومربي الماشية. هذا الدعم يتجاوز منطق التعويض الظرفي، ليؤكد أن حماية الدورة الإنتاجية شرط أساسي لتفادي انتقال الأزمة من طابعها المناخي إلى أزمة اقتصادية ممتدة.

ويبقى المحور الأهم في البرنامج هو تخصيص نحو 1.7 مليار درهم لإعادة تأهيل البنيات التحتية الطرقية والهيدروفلاحية والشبكات الأساسية. فالكوارث الطبيعية تكشف غالبًا عن أعطاب هيكلية في التخطيط المجالي، وتضع الدولة أمام مسؤولية إعادة البناء بمعايير أكثر صلابة واستدامة، لا الاكتفاء بإعادة الوضع إلى ما كان عليه.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الاعتمادات المرصودة، بل في نجاعة التنفيذ، وشفافية التدبير، وسرعة الأثر على حياة المواطنين. فالأزمات، مهما كانت حدتها، يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة التفكير في السياسات الترابية، وتعزيز آليات الاستباق والوقاية، ودمج البعد المناخي في التخطيط التنموي.

إن ما حدث في الغرب واللوكوس ليس حادثًا معزولًا، بل مؤشر على مرحلة مناخية جديدة تفرض على الدولة والمجتمع إعادة تعريف العلاقة مع المجال الطبيعي. ومن ثم، فإن البرنامج الحالي ينبغي أن يُقرأ ليس فقط كاستجابة ظرفية، بل كبداية لمسار أوسع نحو بناء نموذج تنموي أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات.

في النهاية، تبقى الكارثة امتحانًا مزدوجًا: امتحانًا للطبيعة في قسوتها، وامتحانًا للدولة في قدرتها على الحماية وإعادة البناء. والنجاح في هذا الامتحان لا يُختزل في إعلان الدعم، بل في استعادة المواطن ثقته بأن مؤسسات بلاده حاضرة حين تشتد المحن، وقادرة على تحويل الألم الجماعي إلى لحظة تضامن وفعالية وإصلاح، وهو ما يعكس بجلاء رؤية الملك محمد السادس للقيادة الرشيدة والالتزام الوطني المتواصل.