المغرب والمعادن: من ثروة باطنية إلى نفوذ جيو-اقتصادي عالمي

 الإشادة الأميركية بدور المغرب تأتي، في العمق، لتؤكد تحول المملكة إلى فاعل جيو-اقتصادي يحسن قراءة التحولات العالمية ويستثمر فيها بذكاء.

في لحظة دولية تتسم باضطراب سلاسل الإمداد وتصاعد التنافس الجيو-اقتصادي حول الموارد الطبيعية، يبرز المغرب كفاعل هادئ لكنه حاسم في معادلة المعادن الاستراتيجية، ليس فقط بما يملكه من ثروات باطنية، بل بما راكمه من رؤية سياسية وخيارات تنموية بعيدة المدى. التصريحات الصادرة عن وزير الخارجية الأمريكي في واشنطن لا يمكن قراءتها كإشادة دبلوماسية عابرة، بل كاعتراف صريح بمكانة المغرب داخل هندسة جديدة للاقتصاد العالمي.

لقد دخلت المعادن الاستراتيجية، من الفوسفات إلى العناصر النادرة، قلب السياسات الصناعية والطاقية للدول الكبرى. فهي شرط أساسي للتحول الطاقي، ولصناعات المستقبل، وللأمن الاقتصادي بمعناه الواسع. وفي هذا السياق، لم يعد الرهان مقتصرًا على امتلاك الموارد، بل على القدرة على تثمينها، تحويلها، وإدماجها ضمن سلاسل قيمة مستقرة وموثوقة. هنا تحديدًا يفرض المغرب نفسه كنموذج مختلف.

فالمملكة لم تتعامل مع ثرواتها المعدنية بمنطق الريع أو التصدير الخام، بل بمنطق السيادة الاقتصادية الذكية. الاستثمار في التصنيع والتحويل، تطوير البنية التحتية اللوجستية، بناء شراكات دولية متوازنة، والانخراط الواعي في المبادرات متعددة الأطراف، كلها عناصر جعلت من المغرب شريكًا موثوقًا في زمن الشكوك العالمية. وهو ما يفسر حضوره الطبيعي إلى جانب القوى الكبرى في النقاشات المتعلقة بإعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية.

الأهم من ذلك أن المغرب يدرك أن الأمن المعدني لم يعد قضية اقتصادية محضة، بل أصبح ملفًا جيوسياسيًا بامتياز. فتنويع مصادر التزويد، وضمان الاستدامة، واحترام المعايير البيئية، وتوفير مناخ استثماري مستقر، كلها شروط باتت تحكم قرارات الدول الصناعية الكبرى. وفي هذا المشهد، يقدم المغرب نفسه كبلد يجمع بين الاستقرار السياسي، والوضوح الاستراتيجي، والانفتاح على الشراكات طويلة الأمد.

من زاوية أخرى، فإن انخراط المغرب في هذا المسار يخدم مصالحه الوطنية بالقدر نفسه الذي يخدم التوازنات الدولية. فبناء صناعات تحويلية مرتبطة بالمعادن الاستراتيجية يفتح آفاقًا جديدة للتنمية، ويدعم التشغيل، ويعزز موقع المملكة داخل سلاسل القيمة العالمية، بدل الاكتفاء بدور المورد التقليدي. إنها مقاربة تقوم على الربح المتبادل، وعلى تحويل الثروة الطبيعية إلى رافعة للتنمية الشاملة.

إن الإشادة الأميركية بدور المغرب تأتي، في العمق، لتؤكد تحول المملكة إلى فاعل جيو-اقتصادي يحسن قراءة التحولات العالمية ويستثمر فيها بذكاء. فالحضور المغربي في هذا النوع من الاجتماعات الدولية ليس رمزيًا، بل يعكس وزنًا حقيقيًا، وقدرة على التأثير، وثقة متزايدة من الشركاء الدوليين.

في عالم يعيد ترتيب أولوياته الاقتصادية والاستراتيجية، يبدو المغرب أكثر من أي وقت مضى في موقع يسمح له بلعب دور محوري: جسر بين الشمال والجنوب، وشريك موثوق في زمن التحولات الكبرى، ونموذج لدولة اختارت أن تجعل من مواردها الطبيعية رافعة للسيادة والتنمية، لا مجرد أرقام في ميزان الصادرات. وهذا، في حد ذاته، مكسب استراتيجي يتجاوز اللحظة، ويؤسس لمكانة مغربية مستدامة في الاقتصاد العالمي الجديد.