حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ في 'اعترافات إيطالي'

الكاتب إيبوليتو نيفو يستعرض رحلة كارلو ألتوفيتي عبر نصف قرن من التحوّلات السياسية، متأملا في معاني الفقد، وولادة الهوية الوطنية، وتشظي الزمن بين دهشة الطفولة وعبء النضج.

ربما لم يكن اختياري لهذه الرواية اختيارا عابرا بقدر ما كان انجذابا خفيا إلى نص يرفض أن يُقرأ من زاوية واحدة أو يُحاصر داخل تعريف جاهز. هناك كتب نذهب إليها بحثا عن حكاية، وأخرى نذهب إليها بحثا عن فكرة، وهناك نوع ثالث أكثر التباسا: كتب تعيد تشكيل علاقتك بالقراءة نفسها. ومن هذا النوع تحديدا تأتي رواية "اعترافات إيطالي"  Confessions d'un Italien لإيبوليتو نيفو؛ عمل يبدأ في التمدد داخل القارئ شيئا فشيئا، حتى يصبح من الصعب التمييز بين ما هو نص مكتوب وما هو أثر متراكم في الوعي.

هناك نصوص لا يمكن التعامل معها بوصفها "روايات" بالمعنى التقليدي للكلمة، لأنها تتجاوز فكرة الأدب بوصفه شكلا مغلقا، وتتحول إلى كائن سردي حي: يتبدل مع كل قراءة، يناقض نفسه دون أن ينهار، ويقاوم أي محاولة لتثبيته داخل خانة تاريخية أو فنية أو أيديولوجية. هذا تماما ما تفعله "اعترافات إيطالي". إنها رواية تستحضر التاريخ كجرح مفتوح، وتكشف هشاشة السياسة، وتفكك معنى الفقد أكثر مما تنشغل بفكرة الحب نفسها. يعيش النص داخل التعدد، وكأنه وُلد أصلا كي يرفض الاختزال.

في قلب هذا العالم يقف كارلو ألتوفيتي، لا كشخصية روائية فحسب، وإنما كمرآة زمنية تمتد على نصف قرن من التحولات العنيفة: سقوط جمهوريات، صعود إمبراطوريات، ثورات، خيبات، وانبثاق فكرة الأمة من بين ركام الانهيارات. لا تظهر الأحداث هنا كتاريخ جامد، وإنما كاهتزاز داخلي متصل؛ وكأن العالم الخارجي لا يمر أمام الشخصية، وإنما يعبرها.

هنا يصبح السؤال أعمق من مجرد "ماذا حدث؟". ماذا يعني أن يشهد الإنسان تحول العالم دون أن يظل هو نفسه ثابتا؟ تتحول الذاكرة عند ألتوفيتي إلى مختبر للزمن، تتبدل فيه المشاعر كما تتبدل الوقائع: لا يبقى الفرح فرحا؛ يتحول إلى سخرية خافتة؛ وتنقلب السخرية إلى حنين؛ ويذوب الحنين في طبقة من الأسى لا اسم واضح لها. بهذا المعنى، يحكي النص تجربة الإنسان وهو يتآكل داخل التاريخ.

وتحت هذا السرد الفردي تتحرك طبقة أوسع: سرد جماعي لولادة هوية لم تكتمل بعد. ف"اعترافات إيطالي" ليست سيرة رجل واحد فقط، وإنما سيرة أمة تتشكل وهي تفقد أجزاء من نفسها في الطريق. مشروع النهضة الإيطالية أو ال"ريسورجيمنتو" يظهر هنا كعملية انكسار ضرورية: أن تصبح "إيطاليا" يعني، في لحظة ما، التخلي عن عوالم كاملة كانت تشكل الوعي دون انتباه.

وفي هذا السياق تظهر فينيسيا ككائن تاريخي يواجه فكرة موته الخاص. فهي ذاكرة حضارية كاملة، كانت تتجه تاريخيا نحو الشرق أكثر مما تنظر إلى الداخل الإيطالي: نحو القسطنطينية وأثينا وراغوزا، أي نحو فضاء أوسع من حدود "الأمة" التي ستولد لاحقا. لكن التاريخ يفرض منطقه المعاكس: مدينة كانت عالما كاملا تُختزل تدريجيا إلى جزء داخل كيان أكبر.

هنا يظهر التوتر الحقيقي: ماذا يعني أن تموت مدينة كي تولد أمة؟ وهل يمكن اعتبار هذه "الولادة" بريئة إذا كانت تمر عبر محو ذاكرة طويلة ومعقدة؟

لا يقدم النص إجابات نهائية؛ يترك الأسئلة تعمل داخله كقوة مستمرة. وحتى في لحظات السخرية من انهيار النظام القديم أو الحنين إليه، يحافظ على تردد أخلاقي وفلسفي، وكأن التاريخ نفسه غير قابل للفهم من داخل لحظته.

ومع امتداد السرد، يتقاطع هذا الحس مع حساسية روائية لاحقة عند كتّاب مثل توماس مان في موت في البندقية، حيث تتحول المدينة إلى استعارة للزمن الذي يتآكل بهدوء، لا بانفجار مفاجئ، وإنما بتآكل بطيء للمعنى.

ما يميز نص نيفو أنه لا يكتفي بالتأمل، إنه يغامر داخل التناقض نفسه: يسخر من السياسة ويشارك في مأساويتها في الوقت ذاته؛ يضحك من بطولاتها ويشارك في رثائها. ومن هنا تبرز صلة خفية بحساسية جان جاك روسو، حيث يصبح الاعتراف تفكيكا للذات أثناء السرد.

ومع ذلك، لا يحافظ النص على التماسك نفسه طوال امتداده. فمع تقدمه، يتحول من خفة ساخرة إلى بناء أكثر كثافة وتقليدية، يميل إلى التفرعات السردية والمصادفات والانقلابات الميلودرامية، وكأن الزمن نفسه بدأ يضغط عليه من الداخل: من ذاكرة طفولة ترى العالم كدهشة، إلى ذاكرة شيخوخة ترى العالم كعبء متراكم.

ويبقى السؤال: هل يمثل هذا التحول ضعفا فعليا؟ أم أنه انعكاس لبنية الزمن كما يعاش لا كما يُفكر فيه؟

ربما تكمن قوة النص في أنه لا يدّعي الكمال أصلا. فهو يشبه الحياة: غير متوازن، متقلب، شديد اللمعان في لحظة، ومربك إلى حد العتمة في لحظة أخرى. ومن هنا تتشكل قيمته كتجربة وعي مفتوح أكثر من كونه عملا مغلقا ومحكما.

في هذا الإطار، يتحول الحب بين ألتوفيتي و"بيسانا" إلى استعارة لاحتمال إنساني دائم التوتر. حب لا يكتمل، لا يُحسم، لا يتحقق، لكنه لا ينطفئ أيضا. إنه قريب من صور الحب المستحيل عند فرتر أو من توترات جولييت أو من النموذج الرمزي لبياتريس، غير أنه لا ينتهي إلى مأساة مغلقة؛ يتحول إلى شكل من الاستمرارية الداخلية للحياة نفسها.

وهنا يتولد سؤال أكثر حدة: هل الحب الذي لا يتحقق أقل صدقا من الحب الذي يكتمل وينتهي؟

يترك النص الاحتمال مفتوحا: ربما لا يكون اكتمال الحب شرطا لصدقه، وربما كان النقص نفسه جزءا من حقيقته.

أما على المستوى البنيوي، فيمكن قراءة "اعترافات إيطالي" كعمل مزدوج: زمن الطفولة وزمن النضج. الطفولة هنا ليست براءة، وإنما كثافة زمنية مليئة بالدهشة والسخرية الخفيفة، حيث يبدو العالم قابلا للفهم. أما النضج، فهو زمن التشتت، حيث يتحول العالم إلى شبكة احتمالات لا يمكن الإمساك بها بالكامل.

وليست هذه الازدواجية مجرد تقنية سردية؛ إنها رؤية للزمن ذاته: في الطفولة يكون الزمن بطيئا وثقيلا، وفي النضج يصبح متسارعا ومفتتا، وكأننا لا نكبر فقط، وإنما يتغير شكل الزمن الذي نعيش داخله.

وفي هذا السياق، يمكن فهم النص كأنه محاولة لالتقاط ما أشار إليه أومبرتو إيكو بوصفه "تشظي الزمن السردي"، حيث لا يعود الماضي خلفية للأحداث، وإنما قوة تعيد تشكيل الحاضر باستمرار.

ويبقى السؤال المعلق حتى النهاية: هل يعاش التاريخ أم يُروى؟ وهل يستطيع السرد أن يلحق بالحياة، أم أنه يأتي دائما بعدها متأخرا بخطوة؟

في النهاية، ما يبقى من "اعترافات إيطالي" ليس الحبكة ولا الأحداث، وإنما الإحساس بأن النص نفسه كان يبحث عن شكله أثناء كتابته. وكأن إيبوليتو نيفو ترك أثرا لتفكير طويل في معنى الزمن والذاكرة والهوية: نصا مفتوحا لا يُغلق عند صفحة، ولا ينتهي عند خاتمة، ويستمر في العمل داخل القارئ حتى بعد أن يظن أنه انتهى منه.

وهنا ربما يكمن جوهر التجربة كلها: أن النصوص لا تُقرأ فقط، وإنما تعيد تشكيلنا بصمت، دون أن نلاحظ تماما متى بدأ ذلك أو كيف انتهى.