من هانتا إلى 'اكتئاب العالم'.. حين تصنع الخوارزميات وباءً نفسيًا جماعيًا

المنصات الرقمية لم تعد تكتفي بنقل الخوف، بل تحوّلت إلى مصانع لإنتاج القلق والاكتئاب الجماعي عبر اقتصاد يقوم على استثمار الهلع وتضخيم الأزمات.

لم يعد الاكتئاب في العصر الرقمي مجرد اضطراب نفسي فردي مرتبط بضغوط الحياة والعمل والعلاقات، بل تحوّل تدريجيًا إلى حالة جماعية عابرة للحدود، تُنتجها بيئة رقمية كاملة تقوم على إعادة تدوير القلق وتضخيم الإحساس بالخطر، فالعالم الذي يعيش اتصالًا دائمًا بالأحداث، بات يعيش أيضًا استنزافًا نفسيًا دائمًا، تُغذّيه منصات التواصل الاجتماعي وتُسرّعه الخوارزميات التي تتقن استثمار الخوف أكثر مما تتقن نقل الحقيقة.

في كل صباح، يستيقظ ملايين البشر على سيل لا ينتهي من الأخبار العاجلة والتحذيرات والمقاطع القصيرة المثيرة للذعر، أوبئة جديدة، حروب، أزمات اقتصادية، كوارث بيئية، وانهيارات مرتقبة. ومع الوقت، لم تعد المشكلة في الحدث نفسه، بل في الطريقة التي يُعاد بها إنتاجه رقميًا حتى يتحول القلق إلى مناخ نفسي دائم.

لقد انتقل العالم من مرحلة "نقل الخبر" إلى مرحلة "صناعة المزاج العام"، ومن إعلام يواكب الأحداث إلى خوارزميات تعيد تشكيل وعي البشر عبر هندسة الخوف.

في السابق، كانت وسائل الإعلام التقليدية – رغم ما فيها من تهويل أحيانًا – تخضع نسبيًا لمعايير تحريرية أكثر صرامة في التعامل مع الأزمات الصحية والكوارث الكبرى. أما اليوم، فقد أصبحت منصات التواصل فضاءً مفتوحًا تتنافس فيه الحسابات والصفحات على جذب الانتباه بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كان الثمن تضخيم المخاوف الجماعية.

ومع كل ظهور لفيروس جديد أو مرض نادر، تبدأ الدورة المعتادة: عنوان صادم، فيديو قصير يثير الذعر، آلاف المشاركات، ثم موجة عالمية من القلق تسبق الحقائق العلمية نفسها. هكذا تتحول "ثقافة التحذير" إلى "اقتصاد للخوف"، حيث يُقدَّم أي حدث صحي أو سياسي بوصفه تهديدًا وجوديًا للبشرية، حتى عندما تكون المؤسسات العلمية ما تزال تتحدث عن مخاطر محدودة أو قابلة للاحتواء.

المفارقة أن هذا المناخ لا يُنتَج عشوائيًا، فالخوارزميات التي تدير المنصات الرقمية لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن التفاعل. وهي تعرف جيدًا أن المحتوى الذي يثير الخوف والغضب والصدمة يحقق نسب مشاهدة أعلى ويبقي المستخدم وقتًا أطول أمام الشاشة، ما يعني أرباحًا إعلانية أكبر.

المشكلة هنا لا تكمن فقط في التكنولوجيا، بل في طبيعة الدماغ البشري نفسه، فالإنسان مهيأ بيولوجيًا للانتباه إلى الخطر أكثر من الأخبار الهادئة، وهو ما يعرف في علم النفس بـ"الانحياز السلبي". الخوارزميات لم تخترع هذا الميل، لكنها تعلمت كيف تستثمره اقتصاديًا بدقة غير مسبوقة.

ولهذا، ما إن يشاهد المستخدم خبرًا عن وباء أو كارثة أو حرب، حتى تبدأ المنصة بإغراقه بمزيد من المحتوى المشابه، فينشأ تدريجيًا شعور بأن العالم يعيش انهيارًا متواصلًا. ومع التكرار اليومي، لا يعود الإنسان متلقيًا للأخبار فقط، بل يصبح أسيرًا لصورة ذهنية سوداوية عن الحياة والمستقبل.

وفي هذا السياق، يقدّم فيروس هانتا مثالًا واضحًا على الطريقة التي تتحول بها الأحداث المحدودة إلى ذعر عالمي، فعلى الرغم من أن الفيروس معروف منذ سنوات، وأن انتقاله يرتبط غالبًا بالتعامل المباشر مع القوارض أو البيئات الملوثة، فإن ظهوره في بعض الأخبار الأخيرة أعاد إنتاج موجة واسعة من القلق العالمي.

وساهمت وسائل التواصل في تقديمه بوصفه "الوباء القادم" رغم اختلافه من حيث طبيعة الانتشار والخطورة عن أوبئة عالمية سابقة. ومع تداول أخبار عن إصابات مرتبطة بالسفن أو السفر الدولي، تحوّل الحدث سريعًا إلى مادة مثالية للتخويف الرقمي.

لكن الأثر الأعمق لم يكن صحيًا بقدر ما كان نفسيا، إذ انتشر الخوف أسرع بكثير من انتشار الفيروس نفسه.

العالم اليوم لا يعيش فقط "الأزمات"، بل يعيش تداخل الأزمات، فالإنسان المعاصر يحمل الكوكب كله داخل هاتفه: حرب في قارة، وانهيار اقتصادي في أخرى، وكارثة بيئية في مكان ثالث، وصور موت ودمار تتدفق بلا توقف والعقل البشري لم يتطور أصلًا للتعامل مع هذا الكم الهائل والمتزامن من التهديدات.

لهذا، يشعر كثيرون اليوم بإرهاق نفسي مزمن حتى وإن كانت حياتهم الشخصية مستقرة نسبيًا، فالتعرض المستمر للأخبار السلبية يصنع مع الوقت حالة من القلق الجماعي والتشاؤم الوجودي وفقدان الثقة بالمستقبل، وكأن البشرية تعيش دائمًا على حافة النهاية.

غير أن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا، فالعالم مرّ بحروب عالمية ومجاعات وأوبئة أكثر فتكًا مما يعيشه اليوم، واستطاعت المجتمعات رغم ذلك أن تعيد بناء نفسها. الفارق الحقيقي الآن ليس فقط في حجم الأزمات، بل في السرعة التي تنتقل بها نفسيًا عبر الهواتف والشاشات.

لقد أصبح الإنسان يعيش داخل "سوق عالمية للمشاعر السلبية"، حيث يُباع الخوف يوميًا تحت غطاء الأخبار العاجلة ومن هنا، يصبح السؤال أكثر عمقًا: من المستفيد من صناعة هذا المناخ؟

المنصات الرقمية تربح من إبقاء المستخدم في حالة تفاعل دائم والسياسات الشعبوية تستثمر الخوف لتوسيع النفوذ والسيطرة على الرأي العام وحتى صناعات الترفيه والاستهلاك تزدهر كلما ازداد شعور الأفراد بالفراغ والقلق والعجز.

كما تجد شركات الأدوية والعلاجات النفسية نفسها داخل سوق عالمية تتوسع باستمرار مع تصاعد معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والانهيار النفسي، فكلما تضاعف الضغط النفسي الجماعي، ازداد الاعتماد على العقاقير المهدئة ومضادات الاكتئاب بوصفها جزءًا من نمط الحياة اليومية، لا مجرد حلول علاجية مؤقتة.

وهنا يتحول الإنسان المعاصر إلى كائن يعيش بين ضغوط الخوارزميات وحلول الصناعات الدوائية، داخل دورة اقتصادية مغلقة يتغذى فيها القلق على الربح، ويتغذى الربح على القلق.

وفي العمق، لم تعد المسألة نفسية فقط، بل اقتصادية أيضًا، فالنظام الاقتصادي الحديث يقوم إلى حد كبير على إبقاء الإنسان في حالة نقص دائم، قلق من المستقبل، خوف من الفشل، شعور بعدم الاكتفاء، ومطاردة مستمرة لنماذج مثالية للحياة تفرضها الشاشات والإعلانات والمنصات الرقمية. الإنسان المرهق نفسيًا يصبح أكثر قابلية للاستهلاك، وأكثر اندفاعًا للهروب نحو الشراء والترفيه والإدمان الرقمي بوصفها وسائل تعويض مؤقتة عن الفراغ الداخلي.

وفي ظل هذا المناخ، تتصاعد أيضًا تحليلات تتحدث عن وجود شبكات نفوذ عالمية وقوى اقتصادية وإعلامية كبرى تستفيد من إضعاف التوازن النفسي والعقلي للإنسان الحديث، ليس عبر السيطرة المباشرة، بل عبر الإغراق المستمر في التشتيت والخوف والضجيج والانفصال عن المعنى، فالعقل المنهك والوعي المشتت يصبحان أكثر قابلية لإعادة التشكيل، وأكثر استعدادًا لتلقي منظومات جديدة من القيم والمفاهيم والسلوكيات، حتى لو جاءت على حساب القيم الأساسية المستقرة التي شكّلت وعي المجتمعات لعقود طويلة.

وبصرف النظر عن مدى دقة بعض هذه الطروحات، فإن المؤكد أن الإنسان المعاصر يعيش اليوم معركة حقيقية على وعيه النفسي والذهني، في عالم تتداخل فيه التكنولوجيا والاقتصاد والإعلام والسياسة بصورة غير مسبوقة.

الخوف لم يعد نتيجة جانبية للأزمات، بل أصبح جزءًا من الاقتصاد الرقمي نفسه، لكن مواجهة هذه الحالة لا تعني إنكار المخاطر أو تجاهل الأزمات، بل تعني استعادة التوازن النفسي والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتهويل، فالوعي النقدي لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة نفسية لحماية الإنسان من الانهيار الداخلي وسط هذا الضجيج العالمي.

وربما تكمن أخطر نتائج العصر الرقمي في أنه لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يعيد تشكيل شعور الإنسان بالحياة نفسها. وحين تنجح الخوارزميات في إقناع البشر بأن العالم انتهى، تكون قد حققت أعظم انتصار لها.

وفي النهاية، يبقى الإنسان أمام حقيقة بسيطة تتجاوز كل الضجيج الرقمي: الخوف لا يؤخر الموت، بل يمنعك من الحياة.