دمشق تعين حاكما جديدا للمصرف المركزي وسط أزمة خانقة

المصرف المركزي يواجه تحديات كبيرة تتعلق بإدارة السيولة والحد من التضخم وتحفيز النشاط الاقتصادي.

الرياض - أعلنت الحكومة السورية اليوم الجمعة تعيين محمد رسلان حاكما جديدا للمصرف المركزي، خلفا لعبدالقادر حصرية الذي تم تعيينه سفيرا لدمشق لدى كندا، بعد أن شغل منصبه السابق لأكثر من عام. ويأتي هذا التعيين في مرحلة حساسة تحتاج فيها البلاد إلى سياسة مصرفية ونقدية أكثر فعالية وقدرة على احتواء التدهور الاقتصادي.

وفر رسلان من سوريا إلى ألمانيا خلال الحرب وطلب اللجوء ثم حصل على الجنسية الألمانية وهو مصرفي سابق.

وتواجه سوريا واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والنقدية في تاريخها الحديث، في وقت يتزايد فيه الغضب الشعبي بسبب الارتفاع المستمر في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وانهيار قيمة العملة المحلية.
وتحتاج إلى إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي والمالي، عبر تبني سياسات نقدية واضحة تحد من تذبذب سعر الصرف وتكافح المضاربات في السوق السوداء. فاستقرار العملة يعد شرطاً أساسياً لاستقرار الأسعار وتحسين البيئة الاقتصادية، خاصة أن تقلبات سعر الصرف باتت تؤثر بشكل مباشر على تكلفة السلع المستوردة وحتى المنتجات المحلية.

كما أن المصرف المركزي يواجه تحديات كبيرة تتعلق بإدارة السيولة والحد من التضخم وتحفيز النشاط الاقتصادي. فغياب الإنتاج وضعف الاستثمار والعقوبات الاقتصادية وتراجع الصادرات كلها عوامل زادت من هشاشة الاقتصاد السوري، ما يتطلب سياسة مالية ومصرفية متكاملة لا تقتصر فقط على التدخل في سوق الصرف، بل تشمل أيضاً دعم القطاعات الإنتاجية وتشجيع التحويلات والاستثمارات.

ويسعى القطاع المصرفي السوري إلى إعادة التواصل مع النظام المالي العالمي منذ سقوط بشار الأسد.

وقمع الأسد احتجاجات نشبت في 2011 مما تسبب في تحولها إلى حرب أهلية استمرت نحو 14 عاما، وفرضت خلالها دول غربية عقوبات على سوريا تسببت في عزلة للبنوك ولمصرف سوريا المركزي. وتم رفع معظم تلك العقوبات بعد ‌الإطاحة بالأسد، لكن البنوك في البلاد لا تزال معزولة نسبيا عن النظام ‌المالي العالمي، مما يعيق الجهود المبذولة لجذب الأموال لتعزيز الاقتصاد ودعم إعادة الإعمار بعد الحرب.

وعين الرئيس أحمد الشرع في ‌أبريل/نيسان 2025 الحصرية في منصب حاكم المصرف المركزي. وخلال فترة ولايته، أجرت سوريا أول تحويل مصرفي دولي عبر نظام سويفت منذ بداية الحرب.

ويرى مراقبون أن أي إصلاح نقدي لن ينجح من دون خطوات اقتصادية أوسع، تشمل مكافحة الفساد وتحسين بيئة الأعمال وإعادة هيكلة الدعم وتطوير النظام الضريبي. كما أن تعزيز الشفافية داخل المؤسسات المالية والمصرفية قد يساعد على استعادة جزء من ثقة المواطنين والمستثمرين، التي تراجعت بشكل كبير خلال سنوات الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن الحكومة السورية بحاجة إلى إيجاد توازن بين ضبط التضخم والحفاظ على الحد الأدنى من القدرة الشرائية للسكان، خاصة مع ازدياد معدلات الفقر واعتماد شرائح واسعة من السوريين على المساعدات والتحويلات الخارجية. فاستمرار ارتفاع الأسعار دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى مزيد من التوتر الاجتماعي والاحتجاجات الشعبية.

وفي ظل هذه الظروف، ستكون مهمة الحاكم الجديد للمصرف المركزي شديدة التعقيد، إذ لن تقتصر على إدارة السياسة النقدية فحسب، بل ستتعلق أيضاً بمحاولة إنقاذ ما تبقى من الاستقرار الاقتصادي ومنع تفاقم الأزمة المعيشية التي أصبحت تمثل التحدي الأكبر أمام السلطات السورية.

وجرى تعيين رسلان مديرا عاما لصندوق التنمية السوري في 2025. وتم إنشاء الصندوق بعد الإطاحة بالأسد، ليؤسس آلية مدعومة من الدولة لتعبئة الأموال لمشاريع إعادة الإعمار والتنمية.

وبحسب وكالة الأنباء السورية "سانا"، أعلن صندوق التنمية السوري عن تخصيص أولي بقيمة 15 مليون دولار أولية لدعم قطاعات التعليم، والصحة، والتمكين الاقتصادي، وإزالة مخلفات الحرب، وتعزيز الاستجابة والإنذار المبكر، بناءً على احتياجات حقيقية رُصدت ميدانياً في مختلف المحافظات السورية.

وأوضح الصندوق عبر صفحته على فيسبوك الخميس، أن مناطق التدخلات الأولية حُددت بعد دراسة مشتركة بين صندوق التنمية السوري ووزارات الصحة، والتربية والتعليم، والطوارئ وإدارة الكوارث، بما يلامس حياة الناس مباشرة في قطاعات التعليم، والصحة، والتمكين الاقتصادي، وإزالة مخلفات الحرب، وتعزيز منظومة الاستجابة والإنذار المبكر.

وبيّن الصندوق أن اختيار مناطق التدخل لم يستند إلى تقارير مكتبية فقط، وإنما جاء انطلاقاً من الواقع الميداني، ومن قصص العائدين، ومن المناطق التي عاد إليها السكان فعلياً وبدأت الحياة تعود إليها تدريجياً، إضافة إلى مناطق تستعد لعودة قريبة وتحتاج إلى دفعة أمان وخدمات أساسية، وصولاً إلى مناطق تعاني فجوات خدمية واضحة وتنتظر من يسدّها.