تفكيك الثوابت وتأويل السرد في 'النقد البديل'
انبنى كتاب "مع النّقد وضده نحو النّقد البديل" للكاتب العراقي "كه يلان محمد" على سبعة فصول، كان أوّل الفصول "معارضة التّاريخ" وهو عنوان مخاتل في حقيقة الأمر يفتح بابا دلاليا ثريا، إذ يرى من خلال قراءته لمجموعة من الرّوايات العربية من مثل رواية "النّبيذة" و"تِرتر" أنّ الأمكنة تستمد "خصوصياتها من الذّكريات التي تختزنها وتقاوم بها سيولة الأحداث والتّحولات.." وأنّ "المشاهد التي تعجّ بها الذّاكرة تُستعاد ضمن الخطابات السّرديّة"؛ فالرّواية العربية -حسب الكاتب- لا تسرد الواقع لتكتبه، بل تعيد كتابة التّاريخ وتأويله انطلاقا من كليشيهات الذّاكرة؛ وبذلك يُحوّل التّاريخ من مادة ثابتة جامدة إلى نص مفتوح قابل للمساءلة والمُحاججة، ثم إعادة كتابته بعد القراءة والتّخييل.
وهذا الأمر معروف عند النّاقد العراقي، الذي كثيرا ما يُفكك ويُقلب الأفكار، فراتبتها واستقرارها المستفز تجعله يتساءل، من مثل ما شهدناه في كتابه "البرج المقلوب" الذي يعتبر دعوة صريحة للتّشكيك في بنية المعرفة، والاقرار بأن ما يعتبر ثابتا قد يكون مُتغيرا فيما بعد، فصوّر فيه الاضطراب الحاصل في المعرفة.
بعد مُعارضة التّاريخ يأتي "منطق المعرفة"، والمعرفة عند فلاسفة اليونان اعتقاد صادق مُبرّر، وقد تطوّر المفهوم وتأدلج بتأدلج العصر الحالي، المُنشغل بمتاهات عديدة تؤدي به إلى أفكار جديدة تتنافى مع بعضها البعض في كثير من الأحيان، فقد أصبحنا نُخضع المعرفة لمساءلات عديدة، أبرزها: كيف نعرف أننا نعرف؟ وتكون الأجوبة خاضعة للمنطق الذي يجعل من التّحليل والتّفسير مقبولا ومبررا، والأمر ينطبق على الخطابات السّرديّة باعتبارها متعددة الأصوات، تتداخل فيها الأفكار والمعارف والأيديولوجيات، فإنّ اخضاعها لميزان النّقد ضروري، فلم يعد الغرض من قراءة الرّواية المتعة أو التّسلية فقط -كما يقول كه يلان محمد- بل التّأمل واستنهاض الأفكار ومناقشة الأزمات البيئية والوبائية والمشكلات التي قد تداهم البشرية، وما يُمكن أن يكون عليه شكل التّحديات في المستقبل.
من "مُعارضة التّاريخ" و"منطق المعرفة" إلى "غواية التّجريب" ما يجعلنا نبحث عن رابط يجمع بينهم؛ فالمُعارضة ورفض المُسلمات يجعلنا نبحث عن بديل، فنقع في غواية التّجريب، والقائم على كسر روتين القراءة وتجسيد ثقافة مغايرة للسّائد، ولذلك يقول "كه يلان": "تنفتح الرّواية على منطقة الشّك والافتراضات المُتتالية، وهي تُعارض الخطابات الدّاعيّة إلى التّمثل للمسلمات والوصايا والمدونات... تقع في روايات ما بعد الحداثة مغامرة التّجريب"، والتي تكون بتشظية النّصوص، واللعب باللغة من خلال الاهتمام بالدّلالات وتعالقها.
يطرح "كه يلان محمد" فكرة النّقد البديل الذي يرى فيه نقدا اضطراريا يتماشى وروح العصر، ويُمكن أن نقول أنّه رؤية جديدة تنبني على تحليل الأدب والفن، ويختلف عن النّقد الأدبي القائم على مُحاولة اكتشاف مواطن القُبح والجمال وفق رؤية منهجية، إذ يقوم على التّحليل والتّفسير ثم تقييم الأعمال الأدبيّة، في كونه أكثر مرونة -وهنا نقصد المرونة المنهجيّة- إضافة إلى ذلك، فإنّ أهميته تكمن في قدرته على مواكبة التّحولات الحديثة التي يشهدها الأدب، من مثل القفزة النّوعيّة/قفزة الوسيط من الورقي إلى الرّقمي.
وسنُواجه إثر هذا الرأي -النّقد البديل" اتجاهين، الأوّل يؤمن به، وبأهميته في مواكبة التّحولات الحديثة في الأدب والفن -وهو ما يراه الكاتب ويعتدّ به- واتجاه آخر مُضاد يراه تطفلا على النّقد الأدبي، وتعديا عليه، وهنا نسترجع السّجال الحاصل سابقا بين الشّعراء، في قضية الشعر الحر، هل هو تمرد على النّظام الكلاسيكي لعجز الشّاعر في نظم قصيدة موزونة، أم أنه ضرورة يقتضيها تطور العصر، وهنا نقول الأمر نفسه:
هل النّقد البديل ضرورة حياتية ثقافية تقتضيها سرعة العصر، أم أنه تملص من إكراهات المناهج، وما تتطلبه من وقوف عندها؟
الاتجاه الأوّل: بما أننا في عالم لا يهدأ، فالنّقد البديل يُصبح ضرورة ثقافية تفرض نفسها، فهو لا يُلغي المناهج التّقليديّة، بل يكملها ويمنحها أبعادا جديدة، ويُثري العملية النّقديّة ويجعلها أكثر ارتباطا بواقعنا اليوم.
الاتجاه الثاني: تتعدّد مزايا النّقد البديل، إلاّ أنه يواجه بعض التّحديات التي تسمح له أن ينفرد بقراءته، فغياب المعايير الواضحة تؤدي إلى أحكام سطحية، وعدم القدرة على قراءة النّص من الدّاخل، هي أشبه بقراءة عابرة تلامس السّطح دون الجوهر، ناهيك عن الوقوع في إشكال القراءة الذاتية المُفرطة التي تُفسد النّص.
إنّ السّؤال عن طرح بديل سؤال مشروع وممكن في ظل التّحولات المُعاصرة التي تشهدها البيئة الثقافية والأدبية؛ بل هو مطلوب كذلك لأنه نوع من الهُدنة التي يُعلنها النّاقد ليتنفس الكاتب.
ولكن، موضع المُخاتلة يكمن أساسا في السؤال نفسه، حين ينقلب من كونه سؤالا طموحا قلقا غايته التّيسير والاصلاح واستشعار الفساد، إلى كونه ميكانيزم دفاعي غرضه منع النّقد وإزاحته.
وهنا نطرح السّؤال: ما البديل؟
مانستشفه في هذا السياق، أنَّ الكاتبَ -ربما- استوحى مفهوم النقد البديل من النقاشات التي تدور بشأن الإعلام البديل أو الطاقة البديلة أو الثقافة البديلة. فإذا كان البحثُ عن البدائل يأخذُ موقعاً في أجندة الإنسان المُعاصر فمن المحتملِ أن لا يُستثنى النقدُ عن هذا الخطِ. إذن يبدو أنَّ الكلامُ عن النقد البديل أكثر واقعية من الإعلان عن نهاية النقد وانسداده،لأنَّ التضخم في الإبداع الروائي يفتحُ مسارب لآليات جديدة في الاشتغال النقدي.
