محافظ بابل يقدم استقالته بعد اشهار السلاح في وجهه
بغداد - تسلّط أزمة شهدتها محافظة بابل الضوء مجددا على التحديات التي تواجهها الدولة العراقية في فرض سلطتها على السلاح المنفلت، وسط مخاوف متزايدة من تأثير نفوذ الجماعات المسلحة على مشاريع البنية التحتية والاستثمارات العامة في البلاد.
وقد قدّم محافظ بابل علي تركي الجمالي استقالته خلال جلسة استثنائية عقدها مجلس المحافظة، احتجاجا على حادثة تتعلق بإشهار السلاح بوجهه أثناء متابعة تنفيذ مشروع خدمي داخل المحافظة. غير أن المجلس رفض الاستقالة بالإجماع، في خطوة عكست حساسية الموقف وتعقيداته السياسية والأمنية.
وقال مصدر من المحافظة لموقع "شفق نيوز" الكردي العراقي ان الأزمة اندلعت على خلفية خلاف مرتبط بمشروع "جسر الجنسية"، الذي يفترض أن يربط بين منطقتي الصوب الصغير والصوب الكبير في بابل. وتفيد المعلومات بأن جهات مسلحة اعترضت على تنفيذ المشروع بسبب تعارض مساره مع موقع تابع لها، ما أدى إلى تصاعد التوتر ووصوله إلى حد التهديد بالسلاح.
وأعادت الحادثة إلى الواجهة ملف تدخل الجماعات المسلحة في القرارات التنفيذية والإدارية، لا سيما في ما يتعلق بالمشاريع الاستراتيجية والخدمية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تسريع وتيرة إعادة الإعمار وتحسين البنى التحتية التي تضررت خلال السنوات الماضية.
ويرى مراقبون أن مثل هذه الوقائع تثير قلق المستثمرين والشركات المنفذة للمشاريع، إذ تعكس بيئة غير مستقرة قد تعرقل تنفيذ الخطط التنموية، خصوصا في المحافظات التي تشهد نفوذا واسعا لفصائل مسلحة تمتلك حضوراً ميدانياً وسياسياً في آن واحد.
وكان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قد تعهد ضمن برنامجه الحكومي بالعمل على حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة تنظيم الملف الأمني، بما يشمل ضبط تحركات الجماعات المسلحة وهيكلة المؤسسات الأمنية الرسمية. كما تحدثت تقارير عن توجه حكومي لتشكيل لجنة مختصة لمعالجة ملف السلاح غير المنضبط وإعادة تنظيم أوضاع الفصائل المسلحة.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع دعوات داخلية وخارجية متكررة لتقوية مؤسسات الدولة وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة. فقد سبق لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أن دعا إلى حصر السلاح بيد الدولة، فيما تضغط أطراف دولية، بينها الولايات المتحدة، باتجاه تفكيك المظاهر المسلحة الخارجة عن سلطة الحكومة.
ويربط متابعون بين ما جرى في بابل وتجارب حكومية سابقة واجهت تحديات مماثلة، ولا سيما خلال ولاية رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، الذي حاول الحد من نفوذ الجماعات المسلحة، إلا أن حكومته واجهت ضغوطا أمنية وسياسية كبيرة، ترافقت مع عمليات اغتيال استهدفت ناشطين وشخصيات عامة، إضافة إلى محاولة استهداف الكاظمي نفسه بطائرات مسيرة.
وتكشف حادثة بابل، بحسب مراقبين، أن ملف السلاح المنفلت لا يزال يمثل أحد أبرز التحديات أمام الحكومة العراقية، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضا لما يتركه من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد ومشاريع التنمية والاستقرار المؤسسي في البلاد.