التسوية بين دمشق والأكراد أمام اختبار دمج المقاتلات الكرديات
دمشق – أثار الاجتماع الذي عُقد في دمشق بين وزير الداخلية السوري أنس الخطاب، ووفد من محافظة الحسكة ضمّ شخصيات عسكرية وأمنية كردية، نقاشاً حول مستقبل المقاتلات الكرديات العاملات حالياً ضمن قوات الأمن والإدارة الذاتية، وإمكانية دمجهن في مؤسسات الدولة السورية، سواءً من خلال الجيش أو الشرطة النسائية التابعة لوزارة الداخلية.
ويعكس هذا الاجتماع رغبة الحكومة السورية في إنهاء حالة تعدد القوات المسلحة التي انتشرت في عدة محافظات خلال سنوات الحرب، وفي حين أنها نجحت في ضم بعض الفصائل إلا أنها لا تزال تثير شكوكا حول قدرتها على السيطرة عليها.
واستقبل خطاب الخميس قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة العميد مروان العلي ونائبه العميد محمود خليل المعروف بـ "سيامند عفرين" برفقة القيادية الكردية العسكرية نسرين العبدالله و2 من زميلاتها.
ولا يبدو اللقاء غريبا بالنظر إلى الاتفاق الموقّع بين "قوات سوريا الديمقراطية" والحكومة السورية في 28 يناير/كانون الثاني 2026 الذي شكل خطوة مفصلية في مسار إعادة ترتيب المشهد العسكري في شمال وشرق سوريا، إذ نصّ على دمج قوات "قسد" على شكل أربعة ألوية ضمن هيكلية الجيش السوري، وتحديدا في إطار الفرقة 60، في محاولة لتوحيد البنية العسكرية تحت سلطة الدولة.
ورغم أن هذا الاتفاق جاء بعد مفاوضات معقّدة وسعى إلى تقليص التوترات وفتح الباب أمام إعادة الاستقرار، إلا أن تنفيذه على الأرض واجه تحديات متعدّدة، أبرزها غياب المقاربة الجندرية في بنوده. فقد تجاهل الاتفاق بشكل واضح خصوصية "وحدات حماية المرأة" ودورها القتالي والتنظيمي، ما أدى إلى بروز خلافات حادة حول آلية دمجها.
القيادات الكردية تدرك أن دمج العناصر النسائية في مؤسسات الأمن الداخلي سيكون ممكنا أكثر من إدماجهن في وحدات الجيش القتالية
ويُعد ملف المقاتلات الكرديات من أكثر الملفات تعقيداً ضمن مسار التفاهمات بين دمشق والقوى الكردية، نظراً لارتباطه بأبعاد أمنية وسياسية واجتماعية تتجاوز مجرد إعادة توزيع العناصر العسكرية داخل مؤسسات الدولة.
وتميل الحكومة السورية إلى استيعاب هذه الوحدات ضمن قوى الشرطة التابعة لوزارة الداخلية، بما يقلّص من طابعها العسكري، بينما ذكرت مصادر أن "وحدات حماية المرأة" تصرّ على الحفاظ على موقعها كقوة عسكرية مستقلة ضمن وزارة الدفاع، أسوة بباقي التشكيلات التي شملها الدمج.
ويعكس هذا التباين إشكالية أعمق تتعلق بعدم إدماج منظور النوع الاجتماعي في الاتفاقات السياسية والعسكرية، الأمر الذي يهدد بتعقيد عملية التنفيذ وإعادة إنتاج أشكال من التهميش داخل البنى الأمنية الجديدة.
وبحسب المصادر لم يضم الاجتماع بين خطاب والوفد الكردي وحدات حماية المرأة.
ومسألة استيعاب المقاتلات الكرديات ضمن تشكيلات الجيش السوري، تبدو بعيدة جدا وغير ممكنة بالنظر الى اختلاف العقيدة العسكرية والتنظيمية التي نشأت عليها الوحدات الكردية مقارنة بالهيكل التقليدي للجيش السوري.
كما أن العقيدة الإسلامية المتشددة للجيش ترفض بشكل قاطع أن تضم النساء إلى المؤسسة العسكرية، رغم أن الواقع يؤكد أن عدداً كبيراً منهن يمتلكن خبرات قتالية اكتسبنها خلال سنوات الحرب ضد تنظيم داعش وفي إدارة الأمن بالمناطق الشمالية الشرقية.
وفي حين أن دمجهن يشكل فرصة مهمة لتعزيز مبدأ وحدة المؤسسة العسكرية وإظهار قدرة الدولة على استيعاب مختلف المكونات السورية ضمن إطار وطني موحد، إلا أن السلطة البراغماتية تخشى إثارة نقمة الفصائل المتشددة المنضوية ضمن الجيش والتيارات التي لازالت تمتلك القوة لإثارة الفوضى والانشقاقات خصوصا مع تسريب أنباء في الفترة الماضية عن خلافات داخل أجنحة السلطة بشأن التخلي عن النهج المتشدد في التعامل مع قضايا داخلية.
كما أن وجود تشكيلات عسكرية ذات خصوصية قومية أو تنظيمية داخل الجيش قد يثير حساسيات لدى أطراف سياسية ومجتمعية تخشى من تكريس الانقسامات أو منح امتيازات خاصة لفئة معينة. فالمؤسسة العسكرية السورية لم تشهد من قبل على مدى تاريخها مشاركة للنساء في الوحدات القتالية، ما يجعل استيعاب أعداد كبيرة من المقاتلات بحاجة إلى ترتيبات قانونية وإدارية وتدريبية خاصة.
لذلك تبدو فكرة ضم المقاتلات الكرديات إلى وزارة الداخلية أكثر منطقية وقابلية للتنفيذ بالنسبة للوضع السوري شديد الحساسية.
ورغم أن الشرطة النسائية غالبا لن ترضي طموح النساء الكرديات المتمرسات في القتال ويمتلكن تاريخا كبيرا في المشاركة العسكرية، إلى أن الشرطة النسائية تؤدي أدواراً مهمة في عدة مجالات تتعلق بالتفتيش والتحقيق والتعامل مع قضايا النساء والأطفال ومكافحة العنف الأسري والجرائم الاجتماعية، وهي مجالات تتناسب مع الخبرات الأمنية التي اكتسبتها عناصر "الأسايش" خلال السنوات الماضية.
كما أن القيادات الكردية تدرك جيدا أن دمج العناصر النسائية في مؤسسات الأمن الداخلي سيكون أقل إثارة للجدل من إدماجهن في وحدات الجيش القتالية، لأنه يندرج ضمن إطار الخدمة المدنية الأمنية أكثر من كونه إعادة تشكيل للتوازنات العسكرية. ويمنح النساء الكرديات دوراً رسمياً داخل مؤسسات الدولة، بما يعزز المشاركة النسائية في القطاع الأمني ويحد من مخاوف الإقصاء أو التهميش.
ومطلع أبريل/نيسان الماضي، قالت وحدات حماية المرأة في بيان إن وفدًا قياديًا يضم روهلات عفرين وسوزدار حاجي التقى وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة بناءً على طلب من الوحدات، لبحث آليات تنفيذ اتفاق 29 يناير/كانون الثاني.
وأضاف البيان أن النقاشات ركزت على الجوانب القانونية المرتبطة بدمج القوات ضمن ملاك وزارة الدفاع، إلى جانب مطالبة الوحدات بالإفراج عن مقاتليها ومقاتلاتها المحتجزين لدى الحكومة، باعتبار ذلك خطوة لتعزيز الثقة بين الجانبين. وأشار البيان إلى أن الوزير السوري أبدى مرونة لمواصلة الحوار حول صيغ تضمن مشاركة النساء في المؤسسة العسكرية.
في المقابل نقلت مصادر صحفية عن مسؤولين في دمشق أن هيكلية الجيش السوري الحالية لا تتضمن ألوية قتالية نسائية مستقلة، وإن الحكومة تقترح استيعاب الراغبات في الخدمة ضمن الشرطة النسائية التابعة لوزارة الداخلية أو في قطاعات مدنية مرتبطة بالأمن الداخلي.
وقال المتحدث باسم الفريق الرئاسي أحمد الهلالي، إن الاستفادة من خبرات المقاتلات الكرديات يمكن أن تكون في مجال الأمن الداخلي، وليس ضمن التشكيلات القتالية الميدانية.
من جهته، قال المسؤول في حزب الاتحاد الديمقراطي محمد أيبش، إن النقاشات لا تزال في مراحلها الأولى، مشيرًا إلى وجود رفض في دمشق لصيغة الدمج العسكري المباشر، ومؤكدًا أن التوصل إلى تفاهم نهائي يحتاج إلى مزيد من الحوار والصبر.
وفي حال تم التوصل إلى صيغة توافقية، فإن دمج المقاتلات الكرديات في مؤسسات الدولة يمكن أن يشكل نموذجاً لدمج بقية التشكيلات المسلحة المحلية ضمن هياكل رسمية، وهو ما يمثل أحد أهم شروط استعادة الاستقرار وبناء دولة موحدة بعد سنوات الحرب.