'هرتلة في القاهرة' مناجاة سينمائية بحثا عن الأُنس في تفاصيل المدينة
طالما أضفى الإنسان المعاني على ما حوله من جمادات، وما إن يضفِ عليها المعاني يُبثّ فيها الحياة، ويُنطقها إنطاق مثيله من الإنسان؛ فينظر لها فَرِحًا ومَحزونًا ومُعاتبًا ومُمتلئًا بالحنين والحنان. جميعنا تلاقى مع هذه القيم ممثَّلةً في عصا أبيه الراحل، أو جلباب أمه المُحبَّب، أو عطر الحبيبة الدائم، أو أول سيارة في حياته،... وما أجدر البيوت التي نشأنا فيها، والشوارع التي جُبناها، والطرقات التي ضمَّتنا سويًّا، والنوادي التي شهدت ضحكاتنا أن نضفي عليها وصفًا ومعنى شديد العُمق؛ فنسميها الوطن .. ثم نناجيها في عشق دفين يفوح بدخائلنا.
اثنتان وسبعون دقيقةً ناجت فيها صانعة الأفلام والمخرجة فرح الهاشم شوارع القاهرة وطرقاتها مناجاةً رقيقةً رهيفة؛ لتُخرج لنا الفيلم التسجيلي الصادر منذ أشهر "هرتلة في القاهرة" .. ولا ينمُّ العنوان عن فحوى الفيلم، ولا عن شاعريته؛ فما أبعد لفظة "هرتلة" عن الشاعرية والرهافة! .. لكنَّ تعرُّفنا على معنى تلك اللفظة في سياق الفيلم يكشف عن حقيقة العنوان. فالهرتلة لفظة عامية شعبية تعبر عن لغو القول، وعبث الأحاديث. أما الهرتلة في قاموس الفيلم الخاص فتعني كلمات المُحبِّين للقاهرة، وتدوينات العاشقين لها، وأشعار التأمُّل فيها، وأمثال المتدبرين في حركاتها، وأسمار السُّمَّار المبنثِّين في جنباتها الممتدة. عبَّرتْ عنها المخرجة بلفظة "هرتلة"؛ مُحمِّلةً إياها مضامنين الوَلَهِ والتعشُّق الكامن في طرقات المدينة، من أفواه ثُلَّة عشَّاق يتشبثون بجدائل هذه الغابة الكثيفة الأشجار، التي لا تكاد تدرك ثُلَّة عشاقها في حركتها الدائرية اللانهائية؛ تلك الغابة التي تسمى "القاهرة".
وقد أوجزت فرح الهاشم هذه المعاني بكتابة على الشريط في بداية الفيلم، ورد فيها أن جرعة الهرتلة العبقرية تُعين على الاستمرار في الحياة؛ لتنفي عن الكلمة معنى العبث المحض، وتزيحه إلى الخلفية الدلالية؛ وكذلك لتكرِّس معنى "تدوينات العاشقين المهمَّشين" في قلب دلالة لفظة "الهرتلة".
والفيلم من نوع الأفلام التسجيلية الطويلة، استغلَّت المخرجة كامل شريطه لتغوص غوصًا عميقًا في معاني القاهرة، تلك المدينة التي لها من اسمها النصيب الأكبر، في معاني المكان حينما يصير وطنًا جامعًا لقاطنيه الأصليين ولقاطنيه العابرين، حينما يخلب المكان ألباب المارِّين به، ويحويهم ويضمهم ويحنو عليهم؛ ليقطنوه شاعرين باحتياجهم له احتياج الطفل لأبيه وأمه .. مُشبَّعةً بهذه الرُّوح وبأُنس جارف للقاهرة؛ كتبت فرح نص فيلمها، والتقطت مشاهده، بل إن المُشاهد يجزم أن شعور الأنس هو مفتاح هذا الفيلم.
صاغت فرح الهاشم شريطها التسجيلي من لحم ودم؛ فكان اللحم هو الصورة، وكان الدم مداخلات الضيوف وشخصية الراوية وفواصل الأغاني والأفلام. أما صورة الفيلم فقد اتسمت بالواقعية الشديدة في مذهبها؛ وتوفرت كلها للتجوال في طرقات المدينة الواسعة الفسيحة، متنقلةً بين مناطق وسط البلد -وهي المرتكز الأعظم للفيلم-، والدقي، والجيزة، وجاردن سيتي؛ مع الانتقال السريع للإسكندرية وبورسعيد.
وكان التصوير كله بالكاميرا المحمولة، التي تتحرك غالب الوقت، وقد تثبت في أحيان قليلة. تحملها فرح الهاشم سائرةً بها أو راكبةً في سيارة؛ لتُشهِدَ الكاميرا على ما أرادت تدوينه وتسجيله. وتذهب المخرجة إلى تحويل الكاميرا إلى عين حقيقية في بعض الأحيان؛ فتركز بها على بعض ملامح ضيوفها، مثل انفعالات العينين، وتعرُّج الشارب، وحركة الأصابع، وشكل الوجه؛ وهي هنا تطابق بين عينينها وعين الكاميرا. كما لم تستعن بأية إضاءة إضافية، فالإضاءة دائمًا هي الإضاءة الواقعية الموجودة، على اختلاف درجاتها بين سطوع الشمس، وانطماس الضوء في بعض المشاهد إلى حد بعيد.
أما ضيوف الفيلم فمجموعة من أهل الفن والصناعات والحرف؛ يجمعهم العشق للقاهرة، وإن تفاوتوا في وجهات نظرهم. لكنَّ غالب ما بثوه دار حول دفء القاهرة وحُنوِّها وتعاضدها، ومزجوا فيه أفكارهم الخاصة، وبعض جهودهم ورحلاتهم في تكريس القاهرة رمزًا خالدًا. ولقد استوقفني -شخصيًّا- مداخلات الفنان البصري "منتصر بيوض"، التي أفردت لها المخرجة مساحة مميزة من شريطها. وجرتْ عملية تصوير الضيوف في أماكنهم الواقعية الخاصة؛ فكانت في الشوارع والمقاهي والجمعيات والمكتبة، حتى في الحانة. وتم تسجيل حديثهم دون تدخلات صوتية، في بيئتهم الطبيعية، كيفما ارتأوا، وحسب بُعد أو قرب الكاميرا عنهم. فهي لم تشترط شروطًا لذلك، بل تركت المشهد والتداخل بينها والضيوف يحكم مكان الكاميرا، وحركتها.
وجرت المقابلات في مذهب طبيعي واضح؛ حتى إن رجلًا من الضيوف دخل على الجالسين أثناء التصوير، دون قطع، ورأينا وسمعنا أصوات الترحيب به ممتزجةً بأصوات الضيفة المتحدثة. وعلى العموم، جرى التسجيل في أجواء امتازت بالواقعية المطلقة.
ثم طعَّمتْ الصانعة فيلمها معنويًّا بكثير من الفواصل الغنائية، ذات الطابع الوطني أو الشعبي المُقاوم؛ من أغاني الشيخ إمام، وسيد درويش، وشادية. كما استعانت بمشهدين من فيلمي: ميرامار، والقلب له أحكام. وهنا أوضح أن الفواصل الغنائية من التغذية السمعية لشريط الصوت، لكن حُسن التضفير بين المرئي والمسموع جعلني أدرجهما سويًّا.
أما الراوي، وهي صانعة الفيلم نفسها فقد اختارت نصًّا مملوءًا بالشاعرية، كان له أثر حاسم في ارتفاع مستوى الفيلم. فقد مزجت في حوارها المبثوث في الشريط معاني فطرية بريئة عن مدى عشقها للقاهرة، وانسياحها في طرقات تلك المدينة؛ مزجت فيه بين الشخصي جدًّا، وهي اللبنانية الكويتية، التي عاشت طفولتها في القاهرة -صرَّحت باسم حضانتها في حي المهندسين-، وبين غير الشخصي الذي يضمها مع غيرها من أهل القاهرة. لتقدم مبررات مقنعة وجمالية لافتتانها بالقاهرة الخالدة.
وقد ضمَّنت نصها رموزًا من ذاكرة الفن المصري، مثل استدعائها لحديث الممثل عماد حمدي عن الفلاحة، في فيلم "ثرثرة فوق النيل" -لم تذكر عنوان الفيلم في نصها، بل قالت في أحد الأفلام-. وضمنته أيضًا تعليقات سياسية مبطنة، وبعض التشبيهات التي ساعدت على إثراء نص الراوي، وتغذية الشاعرية فيه. كما تخلَّتْ عن مركز الراوي في أحد المشاهد، ومثَّلتْ مشهدًا تخيُّليًّا تنتظر فيه الفنان فريد الأطرش في "جُرُوبِّي" عام 1957.
واستعانت بالكتابة على الشريط مراتٍ، في التعريف بالضيوف، وتقسيم الفيلم لخمسة أقسام، وكتابة بعض التواريخ. كما كتبت به بعض الجُمل المُحمَّلة بالمعاني، مثل: "اضرب الثلج على الحيطة .. دوِّب اللي في النفوس".
استطاعت فرح الهاشم من خلال أدواتها الفنية أن تركز على قضايا غاية في الأهمية، مثل مصير الهوية الفنية للقاهرة، والموقف مع الأعداء التاريخيين، وبعض قضايا الثورة. لتقدم باقةً مزجَتْ ورود العشق بأشواك الهموم المُقلقات.
وفي مشهد بارع، تنهي فرح الهاشم فيلمها في ميدان "طلعت حرب"، تناجي صديقها طلعت حرب الذي يقف تمثاله شامخًا وسط الميدان، وهي توصيه بالقاهرة خيرًا. ولا ننسى أن طلعت حرب لُقِّب بأبي الاقتصاد المصري الحديث، وكان صاحب نهضة في زمن غير بعيد من تاريخ المدينة.
إن فيلم "هرتلة في القاهرة" مناجاة رُوحية بين نفس صانعته والقاهرة العتيقة؛ يُزاوج بين الماضي والحاضر، بين شكايات قاطنيها وأحلامهم، بين القلق على هوية قد تندثر، والانغماس في التماهي مع الآني .. لكنه -في كامل جسده- يحمل تصالحًا مع المدينة -حانيةً كانت أو قاسيةً-، وتحويلًا لها لمعنى عميق يستغرق نفوس قاطنيه والسائرين في الطريق.

