حكاية قرن من الترجمة والاقتباس قبل ولادة الرواية العربية
صدر حديثاً عن مركز أبوظبي للغة العربية، التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، ضمن مشروع "كلمة" للترجمة، كتاب "قَصَص الغريب: تاريخ الرواية عبر الترجمة العربية" للباحثة والناقدة ربيكا جونسون، أستاذة الأدب الإنغليزي والعلوم الإنسانية والمتخصصة في الأدب العربي المقارن والترجمة والتبادل الأدبي، بترجمة الناقد والأكاديمي الدكتور حسام نايل، في إصدار يُعد من أبرز الدراسات الحديثة التي أعادت النظر جذرياً في تاريخ نشأة الرواية العربية وعلاقتها بالترجمة والتبادل الثقافي العالمي.
حيث لا ينظر الكتاب إلى الترجمة باعتبارها مرحلة تمهيدية سبقت ظهور الرواية العربية فحسب، بل يذهب إلى أن المترجمين العرب في القرن التاسع عشر شاركوا فعلياً في ابتكار مفهوم الرواية الحديثة وصياغته، من خلال مقدمات الترجمات وممارسات الاقتباس والتحوير وإعادة الكتابة، بما جعل الترجمة نفسها فضاءً لإنتاج النظرية الأدبية العربية الحديثة.
والكتاب هو الترجمة العربية لعمل الباحثة الصادر بالإنغليزية تحت عنوان "Stranger Fictions: A History of the Novel in Arabic Translation"، عن دار نشر جامعة كورنيل عام 2021، والذي حظي باهتمام ملحوظ في دوائر الأدب المقارن ودراسات الترجمة والحداثة العربية، بوصفه محاولة لإعادة كتابة تاريخ الرواية العربية من خارج السرديات الأدبية التقليدية.
وتنطلق جونسون من مراجعة نقدية للفكرة الراسخة التي تعتبر رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل، الصادرة عام 1913، نقطة البداية الحاسمة للرواية العربية الحديثة، لتكشف عن وجود تراث ضخم من الروايات المترجمة والمقتبسة والمحوّرة عن الإنجليزية والفرنسية سبقها بعقود طويلة، وأسهم فعلياً في تشكيل الذائقة السردية العربية الحديثة. وتذهب الباحثة إلى أن هذا التراث ظل مهمشاً في التأريخ الأدبي لأنه ارتبط بالترجمة أكثر مما ارتبط بفكرة "الأصالة" التي هيمنت على كتابة تاريخ الأدب العربي الحديث.
الكتاب لا يقتصر على مراجعة هذا التاريخ المنسي، بل يندرج ضمن مشروع بحثي أوسع للمؤلفة يهدف إلى إعادة النظر في العلاقات المتبادلة بين الأدب العربي والآداب العالمية، وفي حركة النصوص والأفكار عبر اللغات والحدود الثقافية. وتقوم مقاربتها على تفكيك التصورات التقليدية التي حصرت تطور الرواية العربية في إطار قومي أو وطني ضيق، مؤكدة أن هذا الفن تشكل تاريخياً داخل فضاء أدبي عالمي متعدد المراكز، لعبت فيه الترجمة والاقتباس وإعادة الكتابة أدواراً تأسيسية لا تقل أهمية عن التأليف الأصلي. ومن هذا المنظور، لا يعود تاريخ الرواية العربية مجرد تاريخ لنشأة جنس أدبي جديد، بل يصبح تاريخاً لشبكات معقدة من التفاعل الثقافي والمعرفي بين العالم العربي وأوروبا خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
ولا يكتفي الكتاب بتتبع تاريخ النصوص المترجمة، بل يطرح أطروحة أوسع مفادها أن الرواية العربية الحديثة وُلدت داخل فضاء ترجمي عابر للحدود، وأن المترجمين العرب لم يكونوا مجرد ناقلين لأعمال أوروبية، بل كانوا منتجين لأشكال سردية جديدة ومُنظّرين للرواية نفسها. ففي مقدمة الكتاب تصف جونسون هذا المسار بأنه "تاريخ للرواية في سوء الترجمة"، في إشارة إلى أن ما اعتبره بعض النقاد أخطاء أو انحرافات عن الأصل كان في الواقع جزءاً من عملية إبداعية أسهمت في بناء شكل الرواية العربية الحديثة.
ويتتبع الكتاب ما يقرب من قرن من الترجمة والنشر، بدءاً من الترجمة العربية المبكرة لرواية "روبنسون كروزو" عام 1835، مروراً بترجمات وروايات نُشرت في بيروت والقاهرة ومالطة وباريس ولندن ونيويورك، وصولاً إلى الروايات المتسلسلة وقصص الجريمة والروايات العاطفية التي ازدهرت في الصحافة العربية مطلع القرن العشرين. ومن خلال هذا الأرشيف الواسع، تُظهر المؤلفة كيف تحولت الترجمة إلى مختبر لصياغة مفاهيم جديدة للقراءة والسرد والهوية الأدبية.
كما يكشف الكتاب عن جانب قلّما حظي بالعناية في الدراسات الأدبية العربية، يتمثل في الدور النظري الذي اضطلع به المترجمون أنفسهم. فالمؤلفة تبيّن أن كثيراً من مترجمي الروايات الأوروبية لم يكتفوا بنقل النصوص إلى العربية، بل أسهموا عبر مقدماتهم وشروحهم وتعليقاتهم في بلورة تصورات جديدة حول ماهية الرواية ووظائفها وأساليب قراءتها. وبذلك لم تكن الترجمة مجرد ممارسة لغوية أو تقنية، وإنما تحولت إلى مختبر فكري ساهم في إنتاج مفاهيم الحداثة الأدبية العربية وصياغة الوعي المبكر بالرواية باعتبارها شكلاً أدبياً عالمياً. ولهذا ترى جونسون أن فهم تاريخ الرواية العربية يقتضي إعادة الاعتبار إلى هؤلاء المترجمين والناشرين والقراء الذين أسهموا، من خلال أعمالهم وممارساتهم الثقافية، في بناء البنية التحتية الفكرية والجمالية التي قامت عليها الرواية العربية الحديثة.
يذكر أن الكتاب لقي اهتماماً نقدياً واسعاً في الجامعات الغربية. ففي مراجعة نُشرت بـ"مجلة الأدب العربي" (Journal of Arabic Literature)، اعتبر الباحث سبنسر سكوفيل أن الدراسة تمثل إسهاماً مهماً في إعادة التفكير بتاريخ الرواية العربية وعلاقاتها العالمية، نظراً لاعتمادها على أرشيف واسع وإعادة قراءتها لدور الترجمة في تشكيل الحداثة الأدبية العربية. كما تناولت الباحثة ليتال ليفي الكتاب في "المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط" (International Journal of Middle East Studies)، حيث رأت أن جونسون تسهم في إعادة تموضع الأدب العربي داخل تاريخ الرواية العالمية، عبر تفكيك الحدود التقليدية بين النص الأصلي والنص المترجم، وإبراز الدور التأسيسي الذي أدّته الترجمة في تشكل الأدب العربي الحديث.
ولعل ما يمنح هذا العمل وزنه الأكاديمي الخاص أن عدداً من الباحثين المتخصصين في الأدب العربي المقارن ودراسات الشرق الأوسط عدّوه إسهاماً بارزاً في إعادة كتابة تاريخ الرواية العربية ضمن سياق عالمي أوسع. فقد أشادت مراجعات أكاديمية عدة بالمنهج الأرشيفي الذي اعتمدته المؤلفة، وبقدرتها على استعادة عشرات النصوص المترجمة والمقتبسة التي غابت عن السرديات الأدبية السائدة، وإعادة دمجها في تاريخ الأدب العربي الحديث. كما اعتُبر الكتاب مساهمة مهمة في الحقول المتقاطعة بين دراسات الترجمة والأدب المقارن وتاريخ الكتاب والقراءة، لما يقدمه من تصور جديد للعلاقة بين الترجمة والإبداع، وبين المحلية والعالمية، وبين النص الأصلي والنص المترجم.
ويبرز أحد أهم جوانب الكتاب في إعادة تعريفه لمفهوم الترجمة نفسه؛ إذ تنظر جونسون إلى ممارسات مثل الاقتباس والتحوير وسوء الترجمة والترجمة الزائفة بوصفها عمليات إنتاج ثقافي ومعرفي، لا مجرد تشوهات للنصوص الأصلية. ومن هنا تدعو إلى مراجعة التصورات السائدة حول مفاهيم الأصالة والتأثير والعالمية الأدبية، مؤكدة أن تاريخ الرواية العربية لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ الترجمة بوصفها ممارسة إبداعية أساسية في عصر النهضة العربية.
ويأتي صدور الترجمة العربية لهذا العمل ضمن مشروع "كلمة" بوصفه إضافة نوعية للمكتبة النقدية العربية، لما يتيحه من إعادة فتح النقاش حول بدايات الرواية العربية، ومكانة النصوص المترجمة في تاريخها، والدور الذي لعبه المترجمون والناشرون والقراء في تشكيل الحداثة الأدبية العربية منذ القرن التاسع عشر. كما يمنح القارئ العربي فرصة للاطلاع على دراسة تُعد من أبرز الأعمال المعاصرة في مجال تاريخ الرواية العربية ودراسات الترجمة والأدب المقارن، وتفتح آفاقاً جديدة لإعادة التفكير في نشأة الرواية العربية وعلاقتها بالعالمية الأدبية والتبادل الثقافي عبر اللغات والحدود.