حين تتقدم الدولة ويتعثر المستشفى.. الصحة في المغرب بين الرؤية والكفاءات والتدبير
الرباط - أعادت المناقشات البرلمانية الأخيرة حول واقع القطاع الصحي بين وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي ونواب الأغلبية والمعارضة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المغرب، ليس بسبب الأرقام التي جرى تداولها حول المستشفيات والمراكز الصحية والأطباء، بل لأن النقاش كشف مرة أخرى عن الفجوة القائمة بين حجم الطموح الذي تعكسه التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة وبين واقع قطاع ما زال يواجه صعوبات مزمنة في التدبير والحوكمة واستثمار الموارد البشرية.
ففي الوقت الذي دافعت فيه الحكومة عن حصيلة الإصلاحات المنجزة من خلال بناء وتأهيل المؤسسات الصحية وتوسيع التغطية الصحية وتوظيف أطر جديدة، ركزت مداخلات عدد من البرلمانيين على استمرار الخصاص في الموارد البشرية والتفاوت المجالي في الخدمات الصحية وتحديات الحكامة والتدبير، غير أن جوهر النقاش يتجاوز الأرقام والمؤشرات ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً حول طبيعة الإصلاح المطلوب وأولوياته الحقيقية.
ويأتي هذا الجدل في وقت لا يزال فيه قطاع الصحة المغربي يئن تحت وطأة البيروقراطية وسوء التدبير وتفاوت جودة الخدمات بين الجهات رغم الجهود الكبيرة التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة لتوسيع البنية التحتية الصحية وتعزيز الحماية الاجتماعية، وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة المنظومة الحالية على مواكبة الرؤية الملكية التي وضعت الإنسان في قلب معادلة التنمية والتحولات الكبرى التي يطمح المغرب إلى تحقيقها.
فعندما يتحول النقاش إلى أرقام تتعلق بعدد المؤسسات الصحية التي تم بناؤها أو عدد الأطر التي تم توظيفها، يصبح من السهل إغفال السؤال الأكثر أهمية: لماذا لا تنعكس هذه الاستثمارات دائماً بالقدر نفسه على جودة الخدمات الصحية التي يتلقاها المواطن؟
هذا السؤال لا يخص المغرب وحده، فمعظم الدول التي دخلت مرحلة التحديث الاقتصادي والبنيوي اصطدمت بحقيقة أن تطوير القطاع الصحي لا يقاس بحجم الإنفاق أو بعدد المشاريع المعلنة فقط، بل بقدرة الدولة على بناء منظومة مؤسساتية متكاملة تجعل الإنسان محوراً للإصلاح لا مجرد مستفيد منه.
ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو إشكالية القطاع الصحي المغربي أقرب إلى أزمة تدبير منها إلى أزمة موارد فقط، فالمغرب الذي نجح خلال السنوات الأخيرة في تحقيق قفزات لافتة في البنية التحتية والصناعة والاستثمار والطاقات المتجددة، لا يزال يواجه صعوبة في تحقيق الإيقاع نفسه داخل المنظومة الصحية. وبينما تتسارع وتيرة الإنجاز في قطاعات أخرى، يظل المواطن يواجه تحديات مرتبطة بمدد الانتظار ونقص الاختصاصيين وتفاوت الخدمات بين الجهات وضعف الاستفادة المثلى من الإمكانات المتاحة.
ولا يعود ذلك إلى غياب الرؤية، فالرؤية الملكية التي جعلت الإنسان في صلب المشروع التنموي المغربي وضعت منذ سنوات إطاراً استراتيجياً واضحاً يعتبر الصحة والتعليم ركيزتين أساسيتين لبناء رأس المال البشري، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات تنفيذية فعالة وآليات تدبير قادرة على تحويل الأهداف الكبرى إلى نتائج ملموسة داخل المستشفيات والمراكز الصحية.
وهنا يظهر أحد أبرز أوجه الخلل في النقاش العمومي الدائر حول الصحة، فالكثير من الجدل يركز على عدد الأطباء والممرضين المطلوب توظيفهم، بينما تبدو الأسئلة المرتبطة بجودة الكفاءات والتكوين المستمر وآليات التأطير أقل حضوراً.
فهل تكمن المشكلة في نقص الأعداد فقط؟
التجارب الدولية الناجحة تشير إلى أن الإجابة أكثر تعقيداً من ذلك، فالقطاع الصحي لا يحتاج فقط إلى خريجين جدد، بل إلى منظومة قادرة على تحويل هؤلاء الخريجين إلى كفاءات عالية المستوى. وبين تعيين طبيب حديث التخرج وتكوين طبيب قادر على اتخاذ القرار في الحالات المعقدة مسافة طويلة من التدريب والإشراف والتأهيل المستمر.
ومن هنا يبرز سؤال استراتيجي غالباً ما يغيب عن النقاش: هل الأولوية هي لتوظيف مزيد من الأطر فور تخرجها، أم لبناء نواة من الخبرات المتخصصة التي تتولى تدريب وتأهيل الأجيال الجديدة ونقل المعرفة والخبرة إليها؟ فالأنظمة الصحية المتقدمة لا تعتمد فقط على زيادة أعداد العاملين، بل تستثمر بصورة مكثفة في بناء المدربين والمشرفين والخبراء القادرين على إنتاج كفاءات جديدة بشكل مستدام، فالتحدي الحقيقي ليس في سد الخصاص العددي فحسب، وإنما في ضمان جودة الكفاءات التي ستقود القطاع خلال العقود المقبلة.
وإذا كانت أزمة الموارد البشرية تحظى ببعض الاهتمام، فإن أزمة الإدارة الصحية تكاد تكون الحلقة الأقل تناولاً رغم أنها قد تكون الأكثر تأثيراً، فإدارة المستشفيات لم تعد وظيفة بيروقراطية تقليدية. إنها اليوم مجال علمي متكامل يجمع بين الاقتصاد الصحي وإدارة الجودة وسلامة المرضى وإدارة المخاطر والتحول الرقمي والموارد البشرية ولذلك فإن نجاح المؤسسة الصحية لم يعد مرتبطاً فقط بمهارة الأطباء العاملين فيها، بل أيضاً بكفاءة من يديرها.
وفي هذا السياق تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة العلاقة التقليدية بين القطاع الصحي ومنظومة التعليم العالي، فالجامعات مطالبة اليوم بإنتاج تخصصات جديدة تتجاوز النموذج التقليدي لكليات الطب والتمريض. هناك حاجة متزايدة إلى برامج أكاديمية في إدارة وتسيير المستشفيات، والاقتصاد الصحي، وإدارة الجودة والرقابة النوعية، وسلامة المرضى، وإدارة المخاطر الصحية، والتحول الرقمي الصحي، فهذه التخصصات لا تمنح الطبيب فهماً أوسع لبيئة العمل فحسب، بل تمنح الإداري أيضاً القدرة على استيعاب خصوصية القطاع الصحي ومتطلباته.
وبقدر ما تحتاج المستشفيات إلى أطباء أكفاء، فإنها تحتاج أيضاً إلى خبراء جودة ومختصين في إدارة المخاطر ومحللين للسياسات الصحية ومديرين يمتلكون فهماً اقتصادياً وإدارياً وطبياً في آن واحد. كما أن تطوير هذه التخصصات يفتح الباب أمام بناء جسر معرفي بين الرؤية الطبية ومتطلبات الإدارة الحديثة، وهي معادلة باتت ضرورية لنجاح أي إصلاح صحي مستدام.
ولا تكتمل أي عملية إصلاح حقيقية من دون منظومة رقابة مستقلة تقيس جودة الأداء ونتائج العلاج ومستويات رضا المرضى، بدلاً من الاكتفاء بالمؤشرات الكمية المرتبطة بعدد الأسرة أو العمليات أو المراجعين. فالجودة في القطاع الصحي ليست إجراءً إدارياً إضافياً، بل أداة استراتيجية لترشيد الموارد وتحسين الكفاءة وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية.
وتزداد أهمية هذا التحول في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة على الكفاءات الطبية، فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتخريج الأطباء، بل بالقدرة على الاحتفاظ بهم.
ولا يقتصر هذا التحدي على المستشفيات العمومية والمؤسسات التابعة للدولة، بل يمتد أيضاً إلى القطاع الصحي الخاص الذي يواجه بدوره صعوبات متزايدة في استقطاب الأطباء والاختصاصيين وأطر التمريض المؤهلة، خصوصاً في بعض التخصصات الدقيقة، فالكثير من المصحات والمؤسسات الطبية الخاصة باتت تواجه الإشكالية نفسها المتمثلة في محدودية العرض من الكفاءات المؤهلة مقارنة بالطلب المتزايد على الخدمات الصحية.
ولذلك فإن الحديث عن الخصاص في الموارد البشرية لا ينبغي أن يُختزل في أزمة القطاع العمومي وحده، بل باعتباره تحدياً هيكلياً يواجه المنظومة الصحية الوطنية بكل مكوناتها، فالمنافسة لم تعد قائمة فقط بين القطاعين العام والخاص داخل المغرب، بل أصبحت منافسة مفتوحة بين الدول نفسها على استقطاب الكفاءات الصحية والاحتفاظ بها. ومع تزايد الطلب العالمي على الأطباء والممرضين والاختصاصيين، أصبحت الكفاءات الطبية المتميزة مورداً استراتيجياً نادراً تتسابق الأنظمة الصحية المختلفة على استقطابه.
فالكفاءات لا تغادر أوطانها بسبب الرواتب وحدها. إنها تغادر أيضاً عندما تشعر بأن البيئة المهنية لا توفر فرص التطور العلمي والمهني، أو عندما تصطدم ببيروقراطية تحد من قدرتها على الإنجاز والإبداع، أو عندما تجد أن ما اكتسبته من معارف وخبرات لا يجد البيئة المؤسسية القادرة على استيعابه وتوظيفه بالشكل الأمثل.
ولهذا فإن بناء منظومة صحية حديثة لا يبدأ من الإسمنت ولا ينتهي عند الأجهزة الطبية المتطورة، فالمستشفى ليس مبنىً بقدر ما هو منظومة بشرية ومعرفية وإدارية متكاملة.
وفي عالم تتقدم فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية بوتيرة متسارعة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعادة تعريف مفهوم الاستثمار الصحي نفسه، فالتكنولوجيا يمكن أن توسع نطاق الخدمات وتحسن التشخيص وتقلل الأخطاء، لكنها لا تستطيع تعويض غياب الكفاءة البشرية أو ضعف الإدارة أو قصور الحوكمة.
لهذا السبب تبدو معركة الإصلاح الصحي في المغرب أقرب إلى معركة بناء مؤسسات منها إلى معركة بناء منشآت، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تشييد مستشفى جديد بقدر ما يكمن في بناء منظومة قادرة على إدارة هذا المستشفى بكفاءة، وتأهيل موارده البشرية باستمرار، وربط أدائه بمؤشرات جودة واضحة، وجعل المواطن يشعر بأن الخدمات تتحسن فعلاً لا أن الأرقام فقط هي التي تتحسن.
إن تطبيق الرؤية الملكية التي وضعت الإنسان في قلب المعادلة التنموية يمثل نقطة الانطلاق الصحيحة لأي إصلاح جاد، فبناء رأس المال البشري وتطوير الكفاءات وتحسين الحكامة وتحديث الإدارة ليست أهدافاً قطاعية معزولة، بل هي جزء من مشروع الدولة لبناء نموذج تنموي أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.
وفي النهاية، فإن نجاح المغرب في نقل قطاعه الصحي إلى مرحلة جديدة لن يقاس بعدد المباني التي شُيدت أو الوظائف التي أُحدثت، بل بمدى نجاحه في تحويل استثماراته المالية والمؤسساتية إلى رأسمال بشري قادر على إنتاج المعرفة والخبرة والثقة.
وعندما تصبح جودة الإنسان أهم من عدد المباني، يتحول الإصلاح الصحي من سباق على الأرقام إلى مشروع دولة طويل الأمد، فالدول لا تُقاس قوة أنظمتها الصحية بعدد المستشفيات التي تبنيها، بل بقدرتها على إنتاج الكفاءات وإدارة المؤسسات وصناعة الثقة. وعند هذه النقطة تحديداً يصبح القطاع الصحي مرآة حقيقية لنجاح المشروع التنموي للدولة أو تعثره.