لا غالب ولا مغلوب في المواجهة بين إيران وأميركا

طهران وواشنطن تتجهان إلى اتفاق مؤقت من ‌شأنه أن يترك إيران مُثخنة بالجراح لكن غير منكسرة.

واشنطن - كانت الغاية من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران هي كسر شوكة الجمهورية الإسلامية، لكن بدلا من ذلك، يتجه الطرفان المتحاربان نحو اتفاق مؤقت من ‌شأنه أن يترك طهران مُثخنة بالجراح لكن غير منكسرة.

ومع ظهور ملامح اتفاق محتمل من مصادر مطلعة على المناقشات، يبدو أن إيران ستخرج من هذه الأزمة باقتصاد منهار وقاعدة صناعية عسكرية متضررة بشدة، لكن هيمنة الحرس الثوري ترسخت بقدر أكبر من ذي قبل.

وتشير تقديرات دبلوماسيين ومسؤولين ومحللين إقليميين إلى أنه حتى لو جرى التوصل قريبا إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب، فمن غير المرجح أن تشكل انفراجة دائمة بقدر ما ستكون هدنة مؤقتة.

ويميل هؤلاء إلى توصيف النتيجة المحتملة على أنها صفقة تهدف إلى فتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغوط على الأسواق المالية العالمية وعلى إيران، وإعطاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب مخرجا سياسيا مع تأجيل القضايا الشائكة إلى وقت لاحق.

وقال دينيس روس، الدبلوماسي الأميركي الكبير السابق "تحققت نجاحات عسكرية تكتيكية استثنائية، لكن لم تتحقق مكاسب استراتيجية جوهرية. لم يغلق أي ملف".

بعد بدء الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، تحدث ترامب عن أهداف على غرار القضاء على التهديدات الوشيكة من إيران، مشيرا إلى برنامجها النووي وبرامج الصواريخ الباليستية، وحث الإيرانيين على السعي للسيطرة على زمام الأمور في بلادهم.

وبموجب مذكرة قيد الإعداد، حصلت رويترز على ملامحها من مصادر مطلعة على المناقشات، ستنهي طهران إغلاقها الفعلي لمضيق هرمز، وهو شريان رئيسي لإمدادات النفط العالمية، وستحصل على دعم مالي من خلال الإفراج عن أصول مجمدة أو تخفيف محدود للعقوبات.

ويرى المسؤولون الإيرانيون في التوصل إلى اتفاق محدود وسيلة لكسب الوقت، وتأمين دعم مالي، واحتواء مخاطر داخلية آخذة في التزايد، نظرا لتدهور الأوضاع الاقتصادية، بدون التعامل مع القضايا الأكثر حساسية والأشد صعوبة.

ويريد ترامب، الذي يضع نصب عينيه انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني، صيغة تسمح له بادعاء إحراز تقدم في قضية البرنامج النووي الإيراني، ولا سيما المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب.

وستبقى الأسباب الرئيسية المحفزة للحرب قائمة إلى حد كبير، مع رفض إيران التخلي عن التخصيب، وعدم رغبة واشنطن في تقديم ضمانات أمنية لطهران، واستمرار عزم إسرائيل على احتواء عدو ترى فيه تهديدا وجوديا لها.

أما الجمهورية الإسلامية فتعتقد أنه لا سبيل لردع أي هجمات مستقبلية دون الاحتفاظ بترسانة صواريخها، وشبكة حلفائها في المنطقة، وبقدرتها على تعطيل تدفقات الطاقة من الخليج.

وقال آلان آير، الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في الشؤون الإيرانية إن "ما يحتاجه ترامب سياسيا وما ترغب إيران في تقديمه ربما يبدوان قريبين، لكن مساحة التوافق بينهما ضئيلة للغاية".

وأضاف أن النهج هو التوصل إلى اتفاق الآن و"تأجيل جميع القضايا الشائكة إلى مرحلة ثانية"، والتي لن تأتي على الأرجح.

وقال مصدران إقليميان مطلعان على المناقشات إن الأمر سينتهي باكتفاء ترامب، على ما يبدو، بهدنة قصيرة الأمد، والتزام غامض الصياغة بشأن اليورانيوم عالي التخصيب، وبقاء مضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية.

ويرى محللون بالمنطقة أنه حتى لو فُتح المضيق، فإنه، على حد قول أحدهم، "سيكون ‌في الأساس تحت سيطرة إيران، بغض النظر عن كيفية تحديد رسوم العبور".

ويقولون إن واشنطن لم تعد، إلى حد كبير، تركز على ضمان تفكيك الصواريخ الباليستية الإيرانية، رغم مخاوف إسرائيل ودول الخليج.

وأشارت المصادر إلى عقبات ينبغي التغلب عليها من بينها مطالب الجمهورية بربط أي اتفاق ‌بوقف الهجمات الإسرائيلية على جماعة حزب الله في لبنان، ورغبة ترامب في ترك انطباع إيجابي فيما يتعلق بالمسألة النووية.

وأضافوا أن الرئيس الأميركي قبل في الواقع ما ينفيه في العلن بشأن الربط بين لبنان والمضيق. وضغط بالفعل على إسرائيل لوقف الضربات على بيروت وضاحيتها الجنوبية، خوفا من أن يؤدي أي تصعيد في ذلك الصراع إلى إفشال المساعي الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بشأن المضيق.

وقالت المصادر إن إيران ترى أن الإفراج الفوري ‌عن أصول مجمدة بحوالي 12 مليار دولار شيء أساسي لأي اتفاق، ومن غير المرجح أن تمضي قدما بدونه.

وقال ديفيد شينكر من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إن ترامب يريد تجنب المقارنات مع الاتفاق النووي الذي جرى التوصل إليه في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما في عام 2015، لكن الإفراج عن الأموال الإيرانية ينطوي على خطر استدعاء المقارنات، مضيفا "لست متأكدا من أن هناك أي طريقة لتفادي ذلك".

وفي عام 2018، سحب ترامب الولايات المتحدة من اتفاق 2015، والذي وافقت إيران بموجبه على فرض قيود على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات. وقال إن الاتفاق لا يحمي مصالح الأمن القومي الأميركي. ويريد الآن صيغة تسمح له بأن يدعي الفوز في ملف البرنامج النووي الإيراني دون تصعيد للحرب.

وقال روس "أعتقد أنه بالإمكان التوصل إلى صيغة يفسرها كل طرف على هواه. وعندئذ ستكون المفاوضات (اللاحقة) محفوفة بالمخاطر". ويشير المحللون إلى أن أي هدنة في الصراع ستكسب على الأرجح الحرس الثوري الإيراني مزيدا من الجرأة.

ويضيف شينكر "كانوا في السابق القوة المؤثرة من وراء الستار، والآن أصبحوا القوة" التي تتولى زمام الأمور مباشرة.

ومن المرجح أن يؤدي اتفاق مؤقت إلى شعور بالقلق في إسرائيل، إذ يصوغ قادة إيران صورة للحرب في قالب أيديولوجي، مستخدمين تعبيرات شديدة القوة والوضوح ويشيرون إلى أنه لا يوجد اتفاق يمكن أن يحل الصراع من جذوره. وقال روس "بالنسبة للدولة العبرية وطهران، ربما يكون هذا الفصل من الحرب انتهى، لكن الصراع باق".