أمير الصحافة المصرية بين أسمهان وأم كلثوم

محمد التابعي يعيش بين دلال وعاصفة أمال الأطرش التي كسرت قلبه، وبين رصانة وعقلانية كوكب الشرق التي حفظتْ له مكانته كأقرب الأصدقاء والمدافعين عنها طوال مسيرتها.

شكّل الكاتب الصحفي الكبير محمد التابعي (1896 – 1976) والملقب بـ "أمير الصحافة المصرية" (في زمنه) محورًا رئيسيًّا ومثيرًا للجدل في حياة كل من أسمهان (1912 – 1944) وأم كلثوم (1898 – 1975)، حيث تراوحت علاقاته بين الحب العاصف، والصداقة الوطيدة، والدعم المهني الكبير.

كانت العلاقة بين التابعي وأسمهان واحدةً من أشهر قصص الحب والغموض في تاريخ الوسط الفني والصحفي، فقد نشأت بينهما قصة حب قوية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي توجت بالخطوبة الرسمية في صيف عام 1940 برأس البر. ولكن لم يستمر الارتباط طويلاً بسبب اختلاف الطباع؛ فبينما كان التابعي يفضل الهدوء والنظام، كانت أسمهان تعشق حياة الأضواء والسهر والصخب، فافترقا بهدوء.

وبعد وفاتها الغامضة عام 1944، أصدر التابعي كتابه الشهير "أسمهان تروي قصتها". أراد من خلاله إنصافها وتبرئتها من اتهامات الجاسوسية المزدوجة التي لاحقتها، مؤكدًا أن النشر كان بناءً على وصيتها الشخصية له.

أما في علاقته بأم كلثوم فقد مثّل التابعي لـ "كوكب الشرق" الصديق الصدوق والمستشار الإعلامي المخلص. وكان من أوائل من بشَّروا بعبقرية أم كلثوم؛ فكتب عنها في مجلة "روزاليوسف" عام 1925، وفتح لها صفحات مجلته "آخر ساعة" عام 1937 لتنشر مذكراتها. وكشفت وثائق ورسائل عُثر عليها لاحقًا (من بينها خصلة شعر أهدتها له ورسائل بخط يدها) عن وجود مشاعر إعجاب متبادلة وعميقة، لكنها ظلت محكومة بإطار الصداقة الراقية والسرية تجنبًا للأقاويل.

وقد شهدت كواليس هذه العلاقات تداخلاً ومقارنات مستمرة بين النجمتين أم كلثوم وأسمهان، فكانت هناك منافسة فنية شرسة بينهما. ووجود التابعي - بقلمه وتأثيره وصداقته - في حياة الاثنتين أضفى طابعًا دراميًّا على تلك المنافسة. 

يروي الكاتب مصطفى أمين في مذكراته أن أم كلثوم، بدافع خوفها على التابعي وحرصها عليه من تقلبات أسمهان العاطفية وعلاقاتها السياسية المعقدة، تدخلت ذات مرة وطلبت من أسمهان أن تتزوج من التابعي بشكل رسمي لإنقاذه واستقراره، أو تبتعد عنه تمامًا. 

لقد عاش محمد التابعي بين دلال وعاصفة أسمهان التي كسرت قلبه، وبين رصانة وعقلانية أم كلثوم التي حفظتْ له مكانته كأقرب الأصدقاء والمدافعين عنها طوال مسيرتها.

يُعد كتاب التابعي "أسمهان تروي قصتها"، الصادر عام 1965، واحدًا من أجرأ السير الذاتية في تاريخ الفن العربي؛ لأنه كُتب بقلم صحفي محترف كان شريكًا في بعض هذه الأحداث، وكشف التابعي أن أسمهان كانت شخصية معقَّدة نفسيًّا ومصطنعة في بعض الأحيان، تعاني من قلق دائم وتعيش حياة صاخبة هربًا من واقعها. وتحدث بصراحة عن عدم قدرتها على التحكم في حياتها وإسرافها الشديد للمال، حتى إنها كانت تمر بفترات فقر مدقع، تليها فترات ثراء فاحش. كما روى كرهها الشديد للغناء أمام النساء، وتفضيلها الغناء في المسارح أو الاستوديوهات، وكيف كان صوتُها يحمل حزنًا غامضًا يستعصي على الوصف. 

وقد وثّق التابعي في كتابه تفاصيل محاولة أسمهان الانتحار بجرعة زائدة من الأقراص المنومة قبل سنوات من وفاتها بسبب أزماتها العاطفية والمادية.

وقد عثرت هدى التابعي (زوجة الكاتب الصحفي الكبير) على صندوق مغلق يحتوي على خطابات متبادلة وقصاصة من شعر أم كلثوم، والتي كشفت عن خطابات التابعي التي يكتبها لـ "ثومة" بلغة راقية تحمل مشاعر إعجاب عميقة، كاشفًا في إحدى رسائله عن رغبته في علاقة يكون أساسها العطاء المتبادل دون إكراه أو توريط عاطفي.

وتميزت رسائل أم كلثوم بالدبلوماسية الشديدة والحذر؛ فكانت تخاطبه بـ "عزيزي محمد التابعي"، وتعبر عن سعادتها بمقالاته ومتابعته، شاكرةً إياه على برقياته وسؤاله المستمر. وفي خطاب مؤرخ عام 1946، يمازحها التابعي بشأن "خصلة شعرها" التي يحتفظ بها، لترد عليه أم كلثوم بذكائها المعهود أنها هي من ورطته في أخذها بعد إلحاح شديد منه، مما يعكس طابع الدلال المتبادل خلف الكواليس.

كانت السياسة هي المسمار الأخير في نعش قصة حب التابعي وأسمهان، فقد دخلت أسمهان نفق السياسة المُظلم بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية والفرنسية في الشام، وكان دافعها الأساسي - حسب التابعي - هو تأمين استقلال سوريا وتحرير جبل الدروز، إلى جانب حاجتها للمال. 

كان التابعي كاتبًا وطنيًّا ومقربًا من أروقة السياسة المصرية، وحذَّرها مراراً من اللعب مع أجهزة المخابرات لأنها ستحترق بنارها، ولم يكن يرضى كصحفي مرموق أن ترتبط خطيبته بنشاطات استخباراتية غامضة.

لقد تحولت حياة أسمهان إلى سلسلة من السفر المفاجئ، واللقاءات السرية مع رجال السياسة والجيش (مثل الجنرال كاترو)، مما أثار غيرة التابعي وشكوكه، وخلق فجوة عميقة أدت في النهاية إلى فسخ خطوبتهما واستحالة استمرار الحياة بينهما. 

ألّفت عن حياة محمد التابعي كتب عدة منها ما ألّفه الكاتب الصحفي حنفي المحلاوي تحت عنوان "غراميات عاشق بلاط صاحبة الجلالة" يحكي فيه عن أشهر غراميات التابعي في مصر وفي أوروبا. وظهرت شخصيته في أعمال درامية عدة من بينها: مسلسل "أسمهان" (2008)، ومسلسل "أم كلثوم" (1999)، ومسلسل "زينب والعرش" (1979) ومسلسل "فلاح في بلاط صاحبة الجلالة" (2003)، ومسلسل "ناصر" (2008)، وفيلم "الرجل الذي فقد ظله"(1968)، وأخيرا فيلم "الست" (2025).