جبهة غربية لمواجهة الأنشطة الإيرانية بالخارج
واشنطن - أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاء أوروبيون ودول أخرى اليوم الأربعاء عن تشكيل جبهة موحدة في مواجهة ما وصفته بـ"التخطيط الإيراني الهادف إلى القتل"، متهمة الحرس الثوري ووزارة المخابرات والأمن بالوقوف وراء أنشطة تهدد أمن دول في أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا. ويعيد هذا الموقف الغربي المشترك إلى الواجهة ملف الاغتيالات والأنشطة الاستخباراتية المنسوبة إلى طهران، الذي يُعد أحد أبرز أسباب التوتر المزمن بين إيران والغرب.
وقالت الدول في البيان الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية "نقف متحدين في عزمنا على حماية دولنا شعوبنا من هذه التهديدات. على الجمهورية الإسلامية الإيرانية الامتناع عن تلك الأفعال فورا"، مضيفة أن هذا "التآمر الذي يهدف للقتل وتصرفات أخرى جاءت من جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري وفيلق القدس ووزارة الاستخبارات والأمن".
ويحتل فيلق القدس، الذراع الخارجية لـ"الثوري الإيراني"، موقعا محوريا في هذه الاتهامات، إذ يتهمه الغرب منذ سنوات بإدارة شبكات معقدة من الوكلاء والوسطاء خارج إيران، مستفيدا من جماعات محلية أو خلايا إجرامية لتنفيذ عمليات يصعب ربطها مباشرة بطهران.
كما تشير تقارير أمنية غربية إلى أن الأجهزة الإيرانية باتت تعتمد بصورة متزايدة على عناصر غير إيرانية وشبكات الجريمة المنظمة لتنفيذ مهام المراقبة والاستهداف وجمع المعلومات.
وتستند المخاوف الغربية إلى سلسلة من القضايا التي كشفتها أجهزة أمنية أوروبية خلال السنوات الماضية، حيث أعلنت عدة دول إحباط مخططات استهدفت معارضين إيرانيين أو شخصيات يهودية أو مسؤولين سابقين. كما تحدثت دول غربية عن محاولات تجنيد أفراد لتنفيذ عمليات مراقبة أو اعتداءات لصالح جهات مرتبطة بإيران.
وفي بريطانيا على وجه الخصوص، حذرت السلطات مرارا من نشاطات مرتبطة بإيران، بينما أشارت تقارير غربية إلى أن أجهزة الأمن أحبطت عددا من المخططات التي قيل إنها استهدفت أشخاصا يقيمون على الأراضي البريطانية.
كما تتهم دول أوروبية طهران باستخدام أساليب "الحرب الهجينة" عبر الاستعانة بوسطاء ومجموعات إجرامية لإخفاء بصماتها المباشرة. ولا تقتصر الاتهامات على المراقبة أو التجسس، إذ يرتبط اسم الجمهورية الإسلامية في الأدبيات الأمنية الغربية بسلسلة من الاغتيالات والاستهدافات التي طالت معارضين إيرانيين في الخارج على مدى عقود.
ويقول منتقدو إيران إن هذه العمليات شكلت جزءا من استراتيجية تهدف إلى ردع المعارضين وإيصال رسالة مفادها أن يد الدولة قادرة على الوصول إلى خصومها أينما كانوا.
وتؤكد الحكومات الغربية أن التهديد لا يقتصر على المعارضين الإيرانيين، بل يشمل أيضا صحافيين ومؤسسات إعلامية وأفرادا من الجاليات اليهودية ومسؤولين حاليين وسابقين. كما تتهم طهران بتوظيف وسائل متعددة، من بينها المراقبة الإلكترونية والتهديدات المباشرة ومحاولات الخطف والاغتيال.
وأدى هذا الملف إلى تصاعد الدعوات داخل أوروبا لاتخاذ إجراءات أكثر تشددا ضد الحرس الثوري الإيراني، إذ ترى بعض العواصم أن الأنشطة المنسوبة إليه تجاوزت حدود العمل الاستخباراتي التقليدي لتتحول إلى تهديد مباشر للأمن الداخلي الأوروبي. وقد عززت هذه المخاوف المطالب بفرض عقوبات إضافية وتوسيع التعاون الأمني والاستخباراتي بين الدول الغربية لمواجهة ما تصفه بالتهديد الإيراني المتنامي.
في المقابل، تنفي إيران باستمرار هذه الاتهامات وتعتبرها جزءا من حملة سياسية تستهدفها، مؤكدة أن الدول الغربية تقدم مزاعم غير مدعومة بالأدلة. وتقول طهران إن خصومها يحاولون توظيف الملف الأمني لتبرير الضغوط السياسية والعقوبات المفروضة عليها.
لكن البيان الغربي المشترك يعكس اتجاها متزايدا نحو توحيد المواقف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في التعامل مع ما يعتبرونه أنشطة إيرانية مهددة للأمن والاستقرار. كما يشير إلى أن ملف العمليات السرية الخارجية بات يحتل موقعا متقدما ضمن نقاط الخلاف الرئيسية بين إيران والغرب، إلى جانب البرنامج النووي والدور الإقليمي لطهران.
ومع استمرار تبادل الاتهامات وتزايد التوترات الجيوسياسية، يبدو أن حرب الظل بين الجمهورية الإسلامية وخصومها الغربيين مرشحة لمزيد من التصعيد، خصوصا في ظل اقتناع متزايد داخل العواصم الأوروبية بأن التهديدات الأمنية المرتبطة بطهران لم تعد قضية إقليمية فحسب، بل تحولت إلى تحدٍّ عابر للحدود يطال أمن الدول الغربية نفسها.