الحرب الإيرانية لن تُنسِ القضية الفلسطينية

اجتماعات الفصائل الفلسطينية بالقاهرة أخيرا خلطت بعضا من أوراق وحسابات إسرائيل.

يعتقد كثيرون أن الأزمات يُنسي بعضها بعضا، في كل مرة اشتعلت أزمة حادة في منطقة الشرق الأوسط تردد معها أن القضية الفلسطينية دخلت طيّ النسيان، وأن العالم مشغول بما هو أكثر خطورة وتأثيرا وإلحاحا. هذا ما كسرته اجتماعات لفصائل فلسطينية عُقدت في القاهرة قبل أيام، تحت رعاية مصرية- قطرية- تركية.

قيل سابقا إن هذه القضية وئدت ولم تعد محورية في عدة مناسبات. عندما اشتعلت الحرب بين العراق وإيران، وقيام الولايات المتحدة بغزو العراق، وتصاعد الثورة الشعبية والحرب الأهلية في سوريا، وأخيرا نشوب الحرب الإيرانية. حملت كل هذه المراحل/ المحطات في أحشائها رواسب ومطبات وتداعيات، فرضت إعادة النظر في مسلّمة أن القضية الفلسطينية هي أم القضايا في منطقة الشرق الأوسط.

قبل الحرب الإيرانية الراهنة بوقت قصير حدثت عملية طوفان الأقصى، وتفاصيلها معروفة. حملت معها روافد إقليمية مختلفة. شاعت تكهنات أن إسرائيل قررت تفريغ القضية الفلسطينية من مضامينها الرئيسية عبر تقطيع المراكز الحيوية داخل الضفة الغربية بزيادة الاستيطان وتقنينه، وفي قطاع غزة من خلال هدم البُنى التحتية والتخلص من غالبية المظاهر التي تشي بالحياة فيها.

في كل مرة يتأكد عدم القدرة على التخلص من القضية الفلسطينية ومداراتها ووضعها في خلفية بعيدة، أو اختزالها في جدول أعمال لا يتم التطرق إليه لاحقا. وفي كل مرة أيضا يتعزز الفشل وتعود إلى مركزيتها في الأجندة الإقليمية، ويصدق عليها القول إنها أم القضايا. إذ تصعب تسوية أي قضية من دون التطرق إليها، وضبط قدر وافر من قواعدها في نهاية المطاف، بما يعيدها إلى سيرتها الأولى وأكثر.

يعد اختبار الحرب الإيرانية الأشد صعوبة بالنسبة للقضية الفلسطينية. الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في نهاية فبراير/شباط المنصرم، تقاطعت مع العديد من القضايا المهمة إقليميا. وأرخت بظلالها على المجتمع الدولي بسبب رفع التكلفة الاقتصادية على غالبية دول العالم. باتت الحرب هي الشغل الشاغل لكثير من القوى. لم تترك رفاهية للحديث عن هموم الفلسطينيين، وما تقوم به قوات الاحتلال من انتهاكات بحق المواطنين في الضفة الغربية وغزة.

مع توسع نطاق الحرب الإيرانية وتحولها إلى حرب إقليمية، وتكاد تتحول إلى حرب شبه عالمية، تيقن كثيرون أنه لا مجال لطرح القضية الفلسطينية. طرحها وسط ضجيج الصواريخ وأزيز الطائرات في منطقة الخليج هو من قبيل "السخرية". لن يلفت إليها أحد مع رغبة إسرائيل العارمة في: منع توقف الحرب وإيجاد الذرائع لاستمرارها، ثني الولايات المتحدة عن توقيع اتفاق تفاهم/ إطار مع إيران، والبحث عن حجج لتشتيت الأنظار بعيدا عن مأساة غزة والتلويح أن القطاع لن يعود كما كان سابقا، إذ هددت تل أبيب باحتلال أجزاء أخرى منه، بما لا يجعله صالحا لبقاء الفلسطينيين.

تشكّل مجلس السلام بموجب مؤتمر شرم الشيخ في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بزعامة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأصبح في حكم المريض داخل غرفة للعناية الفائقة، أو الميّت إكلينيكا، وتسعى إسرائيل إلى دفنه وهو على قيّد الحياة، على أمل قطع الطريق على خطة مشوّهة أصلا لاستعادة زخم القضية الفلسطينية، بعد صياغة بنود التفافية في ما يسمى بـ"وثيقة السلام" لا تحوي وعودا واضحة ومحددة تمنح الفلسطينيين جزءا يسيرا من حقوقهم العادلة والمشروعة.

وسط السخونة التي شهدتها ولا تزال منطقة الخليج، لم تنقطع جولات المدير العام لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف بين مدن مختلفة، إلا غزة التي وضعت إسرائيل عليها فيتو (اعتراض). لم تتوقف إشارات دول عربية وإسلامية عدة إلى ضرورة استكمال مراحل مذكرة شرم الشيخ من باب التذكير بمأساة الإنسانية والأمنية في غزة، وعدم وضع القضية الفلسطينية على الرف بالصورة التي تؤدي إلى تجاهلها تماما.

لم تعدم إسرائيل وسيلة من أجل رفع مستوى التصعيد العسكري مع إيران، وعلى جبهة لبنان، والتخطيط لقضم المزيد من أراضي قطاع غزة وعدم التوقف عن استهداف عناصر وأماكن فيه ومضاعفة الهدم والركام، والتلكؤ في ادخال المساعدات إلى سكانه، وحرف الحديث عن مجلس السلام وتحويله من مجلس له مهام متعددة، سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، إلى مجلس بمواصفات إنسانية فقط.

خلطت اجتماعات الفصائل الفلسطينية بالقاهرة أخيرا بعضا من أوراق وحسابات إسرائيل. الاجتماع ليس الأول أو الوحيد الذي ضم فصائل متفرقة، فقد سبقته اجتماعات مماثلة في مصر على مستويات ومشاركات متباينة بعد مؤتمر شرم الشيخ. أبرز من حضروا اجتماعات القاهرة: حركتا حماس والجهاد، الجبهتان الشعبية والديمقراطية، المبادرة الوطنية، وجبهة الإصلاح المنشقة عن حركة فتح.

لم تخرج هذه الاجتماعات بنتائج تزيل الاحتقان بين الفصائل الفلسطينية، أو تحيّد وسيلة المناورة التي تستغلها إسرائيل المتعلقة بنزع سلاح المقاومة. لكنها عملت شيئين مهمين. الأول: السعي لتفكيك الطريقة التي يتم بها نزع السلاح. الثاني: التأكيد على أن نتائج الحرب الإيرانية لن تطغى على القضية الفلسطينية وتفضي إلى نسيانها. ما يعيد إلى الأذهان أنها لن تتخلى عن مركزيتها، وأن مفتاح حل الكثير من القضايا في المنطقة يبدأ وينتهي عندها، على عكس ما تريد إسرائيل ترسيخه في عقل العالم.

من حيث لا يدري، ساعد الرئيس ترامب في الالتفات للقضية الفلسطينية، عندما أعاد عرضه على قيادات بعض الدول العربية والإسلامية بشأن التوقيع على الاتفاقيات الإبراهيمية، في اتصال هاتفي جماعي أجراه معهم في شهر مايو/ أيار الماضي.

خرجت المساهمة التي قدمها ترامب من زاويتين. الأولى: تذكير دولة مثل السعودية بالربط بين تطبيع علاقاتها مع إسرائيل وبين إيجاد حل مناسب للقضية الفلسطينية. الزاوية الثانية: الشعور بعدم استبعاد توظيف نتائج الحرب الإيرانية في إحداث تغيير جوهري في هذه القضية، بحيث لا يصبح الحديث عنها من باب تسويتها سياسيا بقدر من العدالة، بل من قبيل القفز عليها وخلق جدول أعمال بعيد عنها.

زادت إشارة ترامب من هواجس بعض الدول العربية، المهتمة بشكل كبير بحل القضية الفلسطينية والحد من تجاهلها، في مقدمتها مصر والسعودية. وعززت المخاوف من الأهداف التي يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى تحقيقها بخطابه عن إعادة هندسة الشرق الأوسط لصالح بلاده، والوصول إلى إسرائيل الكبرى.

بدلا من أن يؤدي هذا الخطاب إلى طمس القضية الفلسطينية، دفع إلى إعادتها للواجهة. فكلما حاول نتنياهو بمساعدة ترامب، تجاوزها من خلال وضع الحرب الإيرانية في المنطقة الرمادية (اللا حرب واللا سلم) أطول فترة ممكنة، قلقت بعض الدول العربية.