الفصائل العراقية تعطي الأولوية للنفوذ السياسي بدلا من المواجهة

المواجهة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة تهدد النفوذ البرلماني والشبكات الاقتصادية وأنظمة المحسوبية للفصائل وهي خسائر يصعب تعويضها.

بغداد – مع تزايد الضغط الأميركي على بغداد لكبح جماح الميليشيات المسلحة، والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في المنطقة وتراجع نفوذ إيران، لجأت الفصائل إلى تغيير حساباتها الاستراتيجية واختيار الاندماج بدلا من المواجهة للحفاظ على المكاسب السياسية التي راكمتها على مدى سنوات طويلة وجعلتها قوى فاعلة في الحكومة، تقتضي مصلحتها الحفاظ على النظام القائم.

وبحسب تقرير لمعهد "منتدى الخليج الدولي" الأميركي، أعدته الباحثة هبة عبدالوهاب المتخصصة في شؤون الحكم العراقي، فإن بوادر إعادة حسابات، بدأت تظهر بعد أشهر من التصعيد الإقليمي والهجمات على دول الخليج والمنشآت الأميركية وإقليم كردستان العراق، حيث أعلنت عدة فصائل عن خطط لقطع علاقاتها مع قوات الحشد الشعبي ووضع أسلحتها تحت سيطرة الدولة.
 وفي نهاية مايو/أيار، أعلن مقتدى الصدر أن فصيله سرايا السلام، سيتجه نحو هذا المسار، وتبعه في الأسبوع التالي كل من عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي.
ومن غير المؤكد ما إذا كانت هذه التحركات ستُحدث تغييرًا دائمًا في بنية الميليشيات في العراق. ومع ذلك، تعكس هذه القرارات واقعًا أوسع: فالتحدي الرئيسي الذي يواجه الميليشيات العراقية اليوم ليس توسيع نفوذها عبر أعمال "المقاومة"، بل الحفاظ على النفوذ الذي راكمته على مر سنوات من التوسع السياسي.

وما بدأ كمنظمات مسلحة تعمل خارج هياكل الدولة، تطور إلى جهات فاعلة قادرة على المنافسة في الانتخابات، والحصول على تمثيل برلماني، والتأثير على التشريعات، وتشكيل الحكومة. وتنقل قادتها بسلاسة بين المؤسسات الأمنية والسياسة الانتخابية.
ففي الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، فازت الأحزاب المرتبطة بالفصائل الرئيسية بنحو 80 مقعدًا من أصل 329 مقعدًا برلمانيًا، وهو وزن يجعل تمثيلها في السلطة التنفيذية أمرًا مؤكدا، ويمنحها موطئ قدم راسخًا في الدولة.

ويؤكد تحول الميليشيات من مجرد مشاغبين في الشوارع إلى سياسيين لهم مصلحة في الحكم الرسمي للعراق، مدى رسوخها داخل الدولة. فحتى لو تم حل التشكيلات المسلحة، أو إعادة تنظيمها، أو دمجها رسميًا في الدولة، فإن الشبكات السياسية التي بنتها هذه المنظمات ستبقى قائمة.

والأهم من ذلك، أن هذا التحول منح قادة الفصائل ما كانوا يفتقرون إليه سابقًا: مصلحة في بقاء النظام السياسي القائم. ففي الماضي، كانت الفوضى والاضطرابات بمثابة الأداة الرئيسية للميليشيات للحفاظ على نفوذها، مما يدل على قدرتها على إحداث تغيير بمعزل عن الحكومة الرسمية. والآن بعد أن أصبح لقادة الميليشيات مناصب داخل تلك الحكومة، فإنهم يعتمدون على استمرار عملها من أجل الحفاظ على رأس مالهم السياسي ومصالحهم الاقتصادية وشبكات المحسوبية.

خسائر محسوبة
خسائر محسوبة

ولا تزال هذه الجماعات تُقدّم نفسها كجزء من محور المقاومة، بينما أفعالها تُشير بشكل متزايد إلى أنّ الحفاظ على النفوذ بات أهمّ من المواجهة المباشرة. ولا تزال هوية هذه الفصائل مرتبطة بروايات المقاومة، إلا أنّ المواجهة المباشرة مع خصوم متفوّقين عسكريًا تُهدّد المكاسب المؤسسية التي تراكمت منذ صعودها في الحرب ضدّ داعش.

وفي إطار تحوّلهم إلى أعضاء في الحكومة العراقية، تجنّب قادة الميليشيات إثارة الصراع، حتى عندما يخدم هذا الصراع مصالح "المقاومة" المناهضة لأميركا. ويتجلّى هذا التحوّل بوضوح في ردّهم الخافت على التقارير التي تُفيد بوجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية.
وقد رُبطت جماعات مسلحة مختلفة سابقًا بهجمات على مصالح أميركية، ومنشآت في أربيل، وأهداف إقليمية في الأردن والخليج. ومنذ أواخر فبراير/شباط الماضي، أفادت التقارير بشنّ أكثر من 500 هجوم من أو ضدّ أهداف داخل العراق، ونُسبت غالبيتها إلى فصائل متحالفة مع إيران.
وقد أظهرت هذه الحوادث استعدادًا للتصرّف بطرق تحمل عواقب إقليمية وخيمة. ومع ذلك، فإن الادعاءات المتعلقة بالقواعد الإسرائيلية في غرب العراق، وتحديداً في محافظة الأنبار والمناطق القريبة من النجف، لم تسفر عن رد عسكري مماثل.

وإذا كانت "المقاومة" لا تزال المبدأ التنظيمي الأساسي لهذه الجماعات، فلماذا لم تُثر قضيةٌ تبدو متوافقةً مع أهدافها المعلنة رد الفعل المتوقع؟ ويشير هذا التناقض إلى أن الحسابات الاستراتيجية تطغى على الدوافع الأيديولوجية.
يكمن جزء من الإجابة في تقييمٍ مباشرٍ للعواقب. فعلى عكس الهجمات على أهداف إقليمية، تُنذر المواجهة المباشرة مع إسرائيل بتصعيدٍ قد يُغير جوهريًا موازين القوى التي تواجه هذه الفصائل، ما يستدعي ردًا عسكريًا يتجاوز بكثير أي شيءٍ شهدته سابقًا. فقد تُهدد المواجهة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة النفوذ البرلماني والشبكات الاقتصادية وأنظمة المحسوبية، وهي خسائر يصعب تعويضها.

ولا يُمكن فهم سلوك هذه الفصائل بمعزلٍ عن إعادة حسابات طهران. فقد أجبر تآكل النفوذ الإيراني في المنطقة، وتزايد الضغط على المنظمات الحليفة، وتغير الديناميكيات الإقليمية، طهران على إعادة النظر في أولوياتها. وفي ظل هذه الخريطة المتقلصة، يحتل العراق موقعًا فريدًا، إذ يُوفر قربًا جغرافيًا، ووصولًا سياسيًا، وترابطًا اقتصاديًا، وعلاقاتٍ راسخةً لا مثيل لها في أي مكان آخر. وبعد تعرض شبكاتها الوكيلة في جميع أنحاء المنطقة لانتكاسات، أصبح العراق أحد أهم ركائز النفوذ المتبقية لطهران.

لذا، بات الحفاظ على هذه الشبكات أكثر أهمية لطهران من التضحية بأحد آخر مراكز نفوذها الرئيسية في مواجهة. ويتفق قادة الفصائل مع هذا الحساب، إذ أمضوا سنوات في تحويل نفوذهم الميداني إلى رصيد سياسي قيّم. وقد برز تقارب في المصالح، حيث أصبح بقاء كل من طهران والفصائل هدفًا استراتيجيًا، ولا تزال لغة المقاومة حاضرة حتى مع تأثر عملية صنع القرار بالحفاظ على الوضع الراهن والتكيف معه.

ويتحدى هذا الواقع افتراضًا سائدًا في أوساط السياسة العراقية والدولية، مفاده أن تفكيك الفصائل المسلحة أو دمجها أو إعادة هيكلتها سيغير ميزان القوى في العراق تغييرًا جذريًا. وكانت هذه الحجة مقنعة قبل عقد من الزمن، عندما كانت القوة العسكرية المصدر الرئيسي لنفوذ الفصائل. أما اليوم، فتستمد العديد من هذه الجماعات نفوذها من مواقعها داخل المؤسسات السياسية وهياكل الدولة والشبكات الاقتصادية، ما يعني أن بقاءها على المدى الطويل يعتمد على الحفاظ على وصولها ونفوذها داخل الدولة نفسها. ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من النقاش الدائر حول الفصائل العراقية يركز على الأسلحة والهياكل العسكرية واحتمالية الاندماج أو التفكك، متجاهلاً التحول الأعمق الذي حدث بالفعل.

ويحمل هذا الأمر تداعيات مباشرة على صانعي السياسات في بغداد وواشنطن. فالجهود التي تركز حصراً على نزع سلاح الفصائل المسلحة أو إعادة هيكلتها لا تعالج سوى جزء من التحدي. قد تُغير هذه الإجراءات التوازن العسكري، لكنها لن تقضي على النفوذ السياسي الذي اكتسبته الميليشيات. ولا تزال قوات الحشد الشعبي، التي أُنشئت كهيئة رسمية للدولة عام 2014، القناة المؤسسية التي تصل من خلالها هذه الفصائل إلى تمويل الدولة وأسلحتها وشرعيتها القانونية. وهذا تحديداً سبب قصور النهج الأمني ​​البحت.

ومع تطور أولويات الفصائل المسلحة، يواجه العراق فرصة ومخاطرة في آنٍ واحد: فالجماعات التي لها مصلحة في الاستقرار قد تكون أقل ميلاً إلى التصعيد المتهور، لكن اندماجها العميق في مؤسسات الدولة يُعقّد أيضاً الجهود المبذولة للحد من نفوذها على المدى الطويل. ولم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت الفصائل ستُسلّم أسلحتها، بل ما إذا كانت الدولة قادرة على استيعابها قبل أن يترسخ نفوذها أكثر.