هل اقتربت نهاية عصر 'زعيم الضرورة' في إسرائيل
من الصعب رصد ملامح الإسرائيليين وهم يهرعون إلى الملاجئ المُحصنة فور انطلاق صافرات الإنذار، دون تلمُّس التناقض الصارخ الذي بات يحكم واقعهم المُعاش، فبينما يدفع هؤلاء من جيوبهم كلفة ضريبة البقاء، بدءًا من صيانة الفلاتر الموجودة في الملاجئ والغرف المحصنة ووصولًا إلى تأمين مولدات الطوارئ تحسبًا للصواريخ والمُسيّرات التي تطلقها إيران وحزب الله، إلا أن سلوكهم السياسي بات يُجسد في حد ذاته "المفارقة الكبرى"؛ إذ ما زال قطاع واسع منهم يبحث عن قيادة تمنحهم وعودًا واهية عن "الأمن المُطلق" تُسوق لهم بثقة مفرطة.
في الواقع، تقف إسرائيل اليوم على أعتاب انتخابات استثنائية للكنيست في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، حيث لا تكمن أهميتها في كونها تأتي في أعقاب مواجهات ممتدة على ست جبهات (غزة، الضفة الغربية، لبنان، سوريا، اليمن، وإيران)، بل في احتمال كونها الفصل الأخير الذي يُسدل الستار على "الحقبة النتنياهوية" وتلاشي أسطورة "سيد الأمن" الذي برع لعقود في غرس سردية سياسية ترى في تجرّع أوزار الحروب كلفةً لا مفر منها لتحقيق الأمن، وتُفضله على الانزلاق نحو الهلاك بمجرد الرضوخ لمنطق المهادنة على حساب الحسم العسكري.
وبالنظر إلى سيكولوجية المجتمع الإسرائيلي، يتضح ميله الغريزي والانفعالي نحو "الزعيم القوي"، وهو مظهر عزّزه دهاء بنيامين نتنياهو عبر الحيلولة دون بروز بديل ينافسه في المكانة التي يحتلها في وعي الجمهور، ليبقى وحده "الضرورة" التي لا بديل عنها، مستغلًا نمطًا من التفكير الأمني السائد لدى مجتمع ظن يومًا أنه تجاوز ثقافة انتخاب "المستبد العادل"، فإذا به ينتهي في أحضان "شعبوية سياسية" تحوم حولها شبهات الفساد.
ومع استفاقة إسرائيل على صدمة السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بات واضحًا أن الانقسام الداخلي لم يعد مجرد تباين بين هويتَيْن متنافستَيْن هما "اليهودية" في مواجهة "الإسرائيلية"، بل تحول إلى صدع حاد يهدد التماسك المجتمعي، ويبدو ذلك جليًا في مُعضلتَيْن أساسيتَيْن:
أولًا- تغوّل اليمين المتطرف، ويمثله الصعود غير المسبوق لتيار إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، عبر إعادة صياغة أولويات الدولة وفق أيديولوجية خلاصية متطرفة.
ثانيًا- معضلة "تجنيد الحريديم"، على خلفية رفض اليهود المتزمتين دينيًا تأدية الخدمة العسكرية تحت ذريعة التفرغ لدراسة التوراة، تاركين عبء الدم على عاتق الفئات العلمانية الصهيونية والدينية المعتدلة، غير مُبالين بما يُوصف بـ"التهديد الوجودي الإيراني" والخطر المتصاعد على الحدود الشمالية.
في المقابل، يبدو المشهد في معسكر الطامحين لوراثة العرش النتنياهوي باهتًا ومفتقرًا للزخم؛ فلا يائير لابيد، ولا بيني غانتس، ولا حتى غادي آيزنكوت، يمتلكون القدرة على مجاراة كاريزما نتنياهو أو أدواته في الحشد والتأثير الجماهيري.
وفي خضم هذا الفراغ، يبرز نفتالي بينيت الذي شقّ مسارًا براغماتيًا يستند بالأساس إلى استغلال نقاط ضعف نتنياهو، مستفيدًا من شيخوخته السياسية وملفاته القضائية المفتوحة، بما يتيح له الوقوف في مواجهته كمرشح محتمل، ليس من منطلق امتلاكه كاريزما استثنائية، بل من قدرته العالية على خوض المغامرات السياسية، والتعويل على تحقيق فوز تكتيكي خاطف في صناديق الاقتراع، ليشرع لاحقًا في تصفية حساباته مع شركائه السياسيين؛ وهي الوصفة التقليدية لولادة القيادات في المشهد الإسرائيلي المأزوم.
مع ذلك، فقد ظلت القوة الارتدادية لنتنياهو دائمًا في قدرته على التحول عند المنعطفات الحادة إلى "ظاهرة انتخابية" عابرة للأزمات، عبر تصدير أزمات أكبر تُنسي الجمهور معضلاته الأساسية. ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بين جميع الفاعلين على الساحة الإسرائيلية اليوم، سواء في الائتلاف أو المعارضة، هو غياب الرؤية السياسية الشاملة، في ظل تهافتهم المحموم على كرسي السلطة بدلًا من حجز مقعد في التاريخ.
ومَن يدري، فلعل التاريخ يعيد نفسه في المآلات وإن اختلفت الأدوات والسياقات؛ فبالعودة إلى الوراء، وتحديدًا إلى عام 1973 عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول، نجد أنه على الرغم من القصور الاستخباراتي والعسكري المدوي الذي هزّ أركان العقيدة الأمنية الإسرائيلية آنذاك، لم ينتفض الشارع أو الناخب الإسرائيلي فورًا لمعاقبة النخبة الحاكمة.
إذ أسفرت انتخابات الكنيست الثامن في ديسمبر/كانون الأول 1973، عن فوز حزب "المعراخ" بقيادة غولدا مئير، ولم يتبلور التغيير الحقيقي في الخارطة السياسية، إلا بعد مرور أربع سنوات، وتحديدًا في مايو/ايار 1977، عبر ما عُرف تاريخيًا بـ"المهباخ" (أي التحول السياسي) الذي أنهى هيمنة يسار الوسط وصعد باليمين بزعامة مناحيم بيغن للمرة الأولى.
وبذلك، يبرز الاستخلاص الاستراتيجي في كون الارتدادات السياسية الناجمة عن الأزمات الوجودية في إسرائيل لا تتبلور بالضرورة عبر صدمة فورية مباغتة تصيب صناديق الاقتراع، بل تتخذ مسارًا تراكميًا أشبه بعوامل "الحت والتعرية" البطيئة، والتي تقضم شرعية النخبة الحاكمة على المدى المتوسط، لتمهد الطريق في النهاية لتحول سياسي أوسع.
وتأسيسًا على ما سبق، فإنه يمكن الزعم بأن التغيير السياسي في إسرائيل، سواء أفضت الصناديق المقبلة إلى إعادة انتخاب نتنياهو أو صعود بينيت كبديل براغماتي مؤقت، هو مسار حتمي، لا سيما أن الأزمة الراهنة قد تجاوزت بالفعل حدود المناورات البرلمانية والتربيطات الحزبية الضيقة، لتضرب أسس العقد الاجتماعي والسياسي للدولة، مؤكدةً أن ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول ليس كما قبله، حتى وإن تأخرت لحظة الحساب السياسي الحاسم.