ترامب وأزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا

تصريحات ترامب الإيجابية حول السد الإثيوبي تخلق انطباعا بأن أهدافها تتجاوز عملية الحفاظ على العلاقات قوية مع دولة حليفة مثل مصر، والبحث عن حل لواحدة من الأزمات المستعصية التي تؤرقها.

القاهرة - تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من مرة عن أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا في ولايته الثانية. آخرها على هامش قمة الدول الصناعية السبع في فرنسا، على هامش لقاء جمعه مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. في كل مرة تطرق فيها للأزمة بدا متفهما لرؤية مصر، ومعترفا بالغّبن الواقع على القاهرة نتيجة قيام أديس أبابا بتشييد السد بلا تفاهم معها أو مراعاة لاحتياجاتها المائية.

الملاحظ أن النتيجة لا تتغير في كل مرة. ترحيب مصري دبلوماسي بموقف الرئيس ترامب وأي من أفراد ادارته السياسية في وزارة الخارجية. صمت إثيوبي أو تفسير تقليدي في أحسن الأحوال بحاجتها إلى هذا السد في توليد الكهرباء واقامة مشروعات تنموية، مع إضافة نوعية تتعلق باستقلاليتها وعدم رغبتها في تدخل أي جهة في شؤونها الداخلية. ثم هدوء أميركي مُطبق، ولا أحد يتحدث عن تحركات تقوم بها واشنطن يمكن البناء عليها كي تشير إلى أن شيئا ما سوف يتغير في أزمة سد النهضة.

خلقت تصريحات ترامب الإيجابية حول السد الإثيوبي انطباعا بأن أهدافها تتجاوز عملية الحفاظ على العلاقات قوية مع دولة حليفة مثل مصر، والبحث عن حل لواحدة من الأزمات المستعصية التي تؤرقها، أو تأكيد الحضور الأميركي في حل الأزمات الإقليمية داخل أفريقيا وخارجها. تصل إلى توجيه رسائل تتعلق بالصين، التي تمثل خصما استراتيجيا رئيسيا للولايات المتحدة، وأحد أبرز المنافسين لها في التوسع وزيادة النفوذ على المسرح العالمي، وأهم القوى التي بدأت تتوسع في كثير من الدول الأفريقية وتطوّر علاقاتها السياسية والاقتصادية معها.

تُعد الصين أهم القوى العالمية التي تتحرك بهدوء في أفريقيا. كل يوم تكتسب أرضا اقتصادية جديدة في ربوع القارة. إثيوبيا من أهم الدول التي تمنحها بكين وضعا خاصا. سد النهضة هو عمود الخيمة الذي التقت فيه مصلحتها مع أديس أبابا. ليس من باب التمويل والمساندة المادية واللوجستية، بل من قبيل الرمزية الداخلية والدولية. 

تراهن حكومة أديس أبايا على أن السد يسهم في اللّحمة الوطنية، ويدعم التوجهات التنموية لدى الحكومة المركزية. تعتقد حكومة بكين أن اقامة سد النهضة من دون تنسيق مع دول المصب يعزز رؤيتها في إقامة السدود العابرة للحدود في أراضيها وتغييب التعاون مع دول المصب أيضا. المشروع العملاق الذي بدأته الصين في منطقة التبت لتشييد أكبر السدود في العالم على نهر بارلونغ تسانغببو من أجل توليد الكهرباء، يمر إلى كل من الهند وبنغلاديش، وتريد ترسيخ قاعدة البناء المنفرد، بلا حاجة إلى توقيع اتفاقيات مع دول المصب.

تحتوي تحفظات ترامب على سد النهضة على نوع من الاعتراض الضمني لتصرفات الصين الشبيهة لما تقوم به إثيوبيا. أبدى الرجل استعدادا للتدخل والضغط المعنوي على إثيوبيا، ضمن سياسة تكتيل الأوراق ضد الآخر أو إحراجه. ومحاولة إيجاد منغصات لبكين قد تكون غير مرئية بوضوح لكثيرين. 

كما أن التسلل الصيني الهاديء في أفريقيا يزعج الولايات المتحدة. إثيوبيا من أهم الدول الحليفة لواشنطن ولا تريد خسارتها لصالح بكين. الأمر الذي يدعم التصور الخاص بأن الهدف من تكرار ترامب لتصريحاته في ملف سد النهضة هو تخفيف مستوى السرعات التي تتحرك بها بكين أكثر منه تحجيم أديس أبابا، وأن مشروع الين العملاق المتوقع الانتهاء منه عام 2035 يمكن أن يتعرض لمضايقات.

يُضاف إلى ذلك، أن الدعم الشفهي الذي يظهره الرئيس ترامب لموقف القاهرة في أكثر من مناسبة، ينطوي على إشارة تقول إن واشنطن وليست بكين هي التي تقف مع مصر في أهم أزماتها الوجودية المتعلقة بالمياه. ما يعني أن القاهرة التي تقدمت في علاقاتها الاستراتيجية مع بكين وتخفيف اعتمادها على واشنطن عليها إعادة النظر. 

في الوقت الذي لم تقدم الصين شيئا ملموسا لمصر في ملف سد النهضة، ووقفت صامتة سياسيا وفنيا حتى الآن، بل ساعدت في تمويله وتشييده، يُظهر الرئيس ترامب ميولا بقدرته على تحريك المياه المتجمدة في هذه الأزمة. لكن التحرك الفعلي يتوقف على مدى تجاوب القاهرة حيال تصوراتها وتطلعاتها الحالية نحو بكين.

ثمة تكهنات عربية، قالت إن الرئيس الأميركي يعلم أهمية توقيع اتفاق مرض لمصر مع إثيوبيا، ويؤخر تدخله مباشرة والضغط على أديس أبابا، بعد المرة السابقة التي حدثت في ولايته الأولى وأعدت وثيقة في فبراير/ شباط 2020 وسُميت بـ"وثيقة واشنطن"، إلى حين ضمان أن القاهرة ستقوم بتغيير موقفها من بكين. وربما مطالبتها بتنازلات في ملفات إقليمية شديدة الحساسية. التركيز هنا ينصب على ملف تهجير سكان قطاع غزة إلى مصر، الذي تقف مصر منه موقفا صارما وتتمسك برفضه.

لو كان الرئيس ترامب حريصا على إيجاد مخرج لأزمة سد النهضة، كان يمكنه ممارسة ضغوط على إثيوبيا لدفعها نحو التوقيع على وثيقة واشنطن في ولايته الأولى، ولما قبل بتهربها في حينه وتنصلها من التوقيع عليها. 

ولو كان متمسكا بتخفيف الأعباء المائية عن مصر هذه المرة لما أطلق تصريحات في الهواء، وحولها سريعا إلى تصرفات عملية. أغرى التكرار بلا فعل حقيقي إثيوبيا على عدم التجاوب معها، وربما التصميم على التمسك بموقفها في عدم التوقيع على اتفاق مُلزم مع مصر والسودان. تكفي الإشارة لزيارة وفد إثيوبي رفيع المستوى إلى واشنطن في مايو/ أيار الماضي، ولقي ترحيبا كبيرا خلالها ووعودا بتطور التعاون المشترك، ولم تكن آنذاك أزمة سد النهضة ضمن أولويات المباحثات.

يحاول الرئيس الأميركي تعويم الأزمة وتشتيت الانتباه حولها. تارة بالتميح إلى مسؤولية الصين عن جزء معتبر من التمويل. وتارة أخرى يضع المسؤولية على عاتق الرئيس جو بايدن الذي قال إنه قدّم دعما ماليا سخيا لأديس أبابا ومساعدتها في بناء السد. جاءت الإشارة إلى جو بايدن أكثر من مرة في تصريحات ترامب حول سد النهضة، في سياق رؤيته لتصفية الحسابات الشخصية معه، والتغطية على اخفاقه أو تقاعسه عن اتمام اتفاق بين مصر وإثيوبيا كان قريبا قبل نهاية فترة رئاسته الأولى.

تتعامل مصر مع تصريحات ترامب بإيجابية. ثمّنت اعترافه بخسارتها من وراء تشييد سد النهضة. أبدت تأييدا لتدخله، حال تبلور رؤية محددة. غير أن الطريق لا يزال محفوفا بمطبات عديدة. في مقدمتها أن تصريحات الرئيس الأميركي الذي يتداخل فيها الخاص مع العام، التكتيكي مع الاستراتيجي، والحقيقي مع الزائف، يصعب التعويل عليها في غياب تحركات ملموسة، تنسجم مع الفحوى التي تنطوي عليها التصريحات.