التمثلات الاجتماعية في تجربة الفنان العراقي علي آل تاجر

أعمال الفنان تعدّ تجليًا بصريًا عميقًا للبنية العراقية في تشابكها الريفي والمدني، حيث تغدو أعماله مرآة حسّاسة لتمثلات الحياة اليومية وتحوّلاتها.

تُعدّ تجربة الفنان العراقي علي آل تاجر، في إحدى مراحلها المفصلية، تجليًا بصريًا عميقًا للبنية الاجتماعية العراقية، في تشابكها الريفي والمدني، حيث غدت أعماله مرآة حسّاسة لتمثلات الحياة اليومية وتحولاتها. لم يتعامل الفنان مع الواقع بوصفه معطىً جاهزًا للتمثيل، بل بوصفه مادةً قابلة للتفكيك وإعادة الصياغة ضمن رؤية فنية تستبطن الفروق الطبقية والثقافية بين شرائح المجتمع، وتستحضر التوترات التي رافقت حقبة مضطربة من تاريخ العراق المعاصر.

وعبر هذا المنجز، كشف آل تاجر عن أثر الصراعات الطبقية وتداعيات الحروب في تشكيل الوعي الجمعي، حيث لم يكن الفرد في أعماله كيانًا معزولًا، بل جزءًا من منظومة اجتماعية تتنازعها التحولات والضغوط. ومن هنا، تميّزت تجربته بقدرتها على تحويل المشهد اليومي إلى خطاب بصري مزدوج: يوثّق من جهة، وينتقد من جهة أخرى، مبرزًا التداخل بين الخاص والعام، وبين الذاتي والتاريخي. 

يشكل "العسكر" الشريحة التي تبرز بشكل ملفت في إعماله، ويعود ذلك لواقع الحياة حيث عمل العسكر على أدارة البلد سياسيا واجتماعيا وأمنياً. وحين تتسيد شريح ما في أدارة البلد يظهر اثر ذلك على الحياة العامة للمجتمع. لذلك استخدم علي آل تاجر الرموز والدلالات الحسية والبصرية في خلق لغة سيكولوجية بصرية لتلك الأفعال. ونرى ذلك جلياً من خلال الملابس التي يرتديه العسكر وحركاتهم واستخدم علي آل تاجر بذكاء الإيماءات والسلوكيات التي يستخدمها العسكري في حياته اليومية مما يغطي بظلاله على العمل ويصحب ذلك شيء من التوتر البصري والنفسي يحلق في فضاء العمل، كما نرى ذلك من خلال العديد من الأعمال.    

 في سياق آخر من تجربة الفنان علي آل تاجر، شكّل حضور المرأة بوصفه أحد أهم المرتكزات الدلالية في أعماله. فهي ليست عنصرًا ثانويًا أو مكمّلًا للمشهد، بل بنية رمزية تتكثف عندها معاني الجمال والهوية والذاكرة. إذ يمنحها الفنان عناية فائقة من خلال تفاصيل مظهرها، ولا سيما الفساتين العراقية الغنية بالتطريزات والزخارف، التي تتحوّل إلى نصوص بصرية تشير إلى الأصول الثقافية وتراكماتها. إن هذه الأزياء لا تُقرأ بوصفها زينة سطحية، بل كعلامات مشبعة بإيحاءات الانتماء، تعكس امتدادًا تاريخيًا وحِرفيًا ينهض من ذاكرة المكان.

ولا تنفصل هذه الصورة الأنثوية عن فضائها المكاني، حيث تتجاور مع مفردات البيت العراقي، وبخاصة البغدادي، بما يحمله من تفاصيل معمارية وزخرفية: الأبواب الخشبية، الشناشيل، الأقمشة المنزلية، وسواها من العناصر التي تشكّل، مجتمعةً، نسيجًا بصريًا يستدعي روح المكان وفرادته. بهذا التواشج بين الجسد والحيّز، بين الأنثوي والمكاني، تتعمّق دلالة العمل الفني، ليغدو البيت امتدادًا رمزيًا للمرأة، وتغدو المرأة ذاكرة حيّة للبيت.

غير أن ما يمنح تجربة علي آل تاجر فرادتها الفعلية، هو قدرته الواعية على الإفلات من النمطية التي وسمت الكثير من التمثلات التشكيلية للحياة العراقية. فهو لم ينجرّ إلى إعادة إنتاج الصور الجاهزة أو الاستجابات البصرية المألوفة، بل اختار مسارًا أكثر صعوبة، يقوم على مساءلة الشكل والمضمون معًا. وعلى هذا الأساس، نجا الفنان من الوقوع في فخ التكرار الجمالي، كما تفادى إغراءات السوق التجاري الذي كثيرًا ما يكتفي بسطحية الجماليات على حساب العمق الدلالي.

لقد كان اشتغاله منصبًّا على كشف البعد النفسي والحسي للشخصيات التي يجسدها، حيث تتجاوز ملامحها حدود الوصف الخارجي لتغدو حوامل لتجارب إنسانية مركّبة، مشبعة بالتوتر والحنين والقلق. وهنا، تتجلّى قيمة تجربته في قدرتها على استحضار الإنسان بوصفه كائنًا مأزومًا داخل سياقه الاجتماعي، لا بوصفه نموذجًا تزيينيًا.

بهذا المعنى، ينجح علي آل تاجر في أن يقدّم خطابًا بصريًا يتجاوز التوثيق إلى مستوى الكشف، ويتخطى التمثيل إلى مساءلة الواقع ذاته، في تجربة تنفتح على أفق نقدي يزاوج بين الحس الجمالي والوعي الاجتماعي، دون أن يفقد صلته الحميمة بجذور المكان والذاكرة.

بهذا المعنى، يمكن قراءة تجربة علي آل تاجر بوصفها مشروعًا بصريًا ينتمي إلى حساسية نقدية تتجاوز حدود التمثيل إلى مساءلة الواقع ذاته. إنها تجربة تنشغل بالإنسان بقدر انشغالها بالمكان، وتعيد صياغة العلاقة بينهما في إطار جمالي يزاوج بين الكشف والتأمل. ومن داخل هذا التوتر المنتج بين الذاكرة والتحول، بين الشكل والمعنى، يرسّخ الفنان موقعه كصوت بصري يسائل الهوية العراقية، لا بوصفها معطى منغلقًا، بل بوصفها كيانًا حيًّا، قيد التشكل الدائم.