في مناورة سياسية.. اتفاق رباعي يرحل قانون الحشد إلى الدورة المقبلة
بغداد - في خطوة تعكس تعقيدات المشهد السياسي العراقي وتوازناته الهشة، كشفت مصادر في الإطار التنسيقي، الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية الحاكمة في العراق، عن اتفاق ضمني بين الرئاسات الأربع (الجمهورية، مجلس الوزراء، البرلمان، القضاء) على تأجيل مناقشة وإقرار قانون الحشد الشعبي، وسحب مشروع القانون من مجلس النواب، وسط أجواء إقليمية متوترة وضغوط داخلية وخارجية متزايدة.
وقال النائب عدي الخدران، وهو أحد أعضاء الإطار، إن القرار جاء خلال اجتماع الرئاسات الأخير، بهدف "الحفاظ على الاستقرار الداخلي" و"تجنيب العراق أي انخراط محتمل في التصعيد الإقليمي"، مشيرا إلى أن القانون لن يُطرح في الدورة البرلمانية الحالية، بل سيُرحّل إلى الحكومة المقبلة والبرلمان القادم.
ورغم تأكيد الخدران أن هذا التأجيل لا يعني بأي حال من الأحوال "تفكيك" هيئة الحشد أو المساس بشرعيتها، إلا أن السجال السياسي حول مستقبل الحشد الشعبي، يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بموقع هذه المؤسسة في بنية الدولة العراقية.
خلافات داخلية... وضغوط خارجية
ومنذ أن بدأ الحديث عن مشروع القانون الجديد، انقسمت القوى الشيعية على نفسها. فبينما تسعى بعض الأطراف إلى إعادة هيكلة الحشد ودمجه ضمن منظومة القوات المسلحة العراقية، وفق تسلسل عسكري وقيادة مركزية، ترى فصائل نافذة ضمن الحشد أن هذا التوجه يُضعف استقلاليته ويقوّض ما تعتبره "الخصوصية الجهادية" للتشكيل الذي نشأ استجابة لفتوى المرجعية في 2014 المعروفة بفتوى الجهاد الكفائي.
ولا تنفصل هذه الخلافات الداخلية عن سياق إقليمي ودولي أوسع، فالولايات المتحدة، من جهتها، أبدت تحفظات صريحة على القانون، معتبرة أنه يمنح غطاءً قانونيًا لفصائل تعتبرها "معادية" و"مدعومة من إيران". وترى واشنطن أن تقنين وضع الحشد في هذه المرحلة سيُعقّد جهود إعادة هيكلة القوات العراقية، ويمنح نفوذًا أوسع لقوى غير خاضعة تمامًا لسلطة الدولة.
حسابات التأجيل: تهدئة مؤقتة أم توازن دائم؟
وقرار التأجيل لا يعني نهاية النقاش، بل هو ترحيل للأزمة إلى مرحلة سياسية لاحقة، اذ يُتوقع أن تعود مسألة قانون الحشد إلى الواجهة مع تشكيل الحكومة المقبلة، وقد تُستخدم كجزء من صفقات تقاسم النفوذ أو ترتيبات الموازنة بين الكتل السياسية المتنافسة.
وفي المقابل، يُنظر إلى تأجيل البتّ في القانون على أنه محاولة لكسب الوقت، وتجنّب مزيد من الاستقطاب في الشارع العراقي، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الاجتماعية والأمنية، والانكشاف السياسي الذي يعاني منه البرلمان الحالي.
سياق التأسيس والشرعية
وتأسس الحشد الشعبي بقرار حكومي في منتصف 2014، عقب فتوى "الجهاد الكفائي" التي أصدرها المرجع الأعلى علي السيستاني، في لحظة مفصلية تزامنت مع سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم "داعش". وشكّل الحشد، منذ ذلك الحين، مظلة جامعة لفصائل شيعية مسلحة، بعضها كان موجودًا قبل الفتوى، مما جعله كيانًا معقّدًا على المستويين القانوني والسياسي.
ورغم أن الحشد أُدرج رسميًا ضمن المؤسسات الأمنية منذ عام 2016، إلا أن غياب قانون ناظم واضح ظل يشكل ثغرة قانونية ومساحة للجدل السياسي حول دوره المستقبلي، ودرجة تبعيته للسلطة التنفيذية، وعلاقته بالقوات المسلحة.
وبين التأجيل والتصعيد، يظل قانون الحشد الشعبي عقدة معلقة في المشهد العراقي، تعكس التوازنات الدقيقة بين قوى السلطة، والتدخلات الخارجية، والتحديات الأمنية. ومع دخول البلاد على أعتاب استحقاقات انتخابية جديدة، يبدو أن ملف الحشد سيبقى أداة ضغط سياسي، وميدانا لتقاطع المشاريع الإقليمية والدولية المتنافسة داخل العراق.